المبنى والأسلوب في رواية محمد علي طه
" سيرة بني بلوط "
بقلم نعيم عرايدي .
1. البنى التحتيه :
يعتمد محمد علي طه الأساليب الشعبية في قصصه القصيرة وفي رواياته . لذا فالبنى التحتيه لأغلبية قصصه مستمدة من التراث العربي الشعبي والإسلامي الديني ، اعتماداً على أسلوب الحديث المنقول مروراً بألف ليلة وليله وحتى القصص الشعبية والحكايات . وهنالك وفي حالات كثيرة يمزج الكاتب بين عدة اساليب في القصة الواحدة .
ونظراً لتجربة الكاتب وقدراته الإبداعية فإن الهدف من استعمال مثل هذه الأساليب ليس تكراراً لها وإحياء لتراث القصة العربيه الشعبيه ، إنما هو في الأساس محاولة هامه وجادة في ملاءمة الشكل للمضمون ، ثم إثراء الأشكال الشعبية بأبعاد تعدديه
لما يلائم القصة الحديثه والعصر الحديث . فالقصة الشعبيه والحكاية هي في الأساس ذات بنية مسطحة وذات بعد واحد . أما القصة الحديثة فتتسم بالتعدديه والبنية المجسمة لما تريد التعبير عنه من عواطف وأحاسيس ومواقف بشريه توجب التجسيد من نواح مختلفه . ضف إلى ذلك التشبيهات الخاصه والمميزة والأمثال التي يستعملها الكاتب " لتتخيت " الأحداث المحكيه . فالراوي الشعبي يستعجل بالأحداث لأنها هي المهمة بالنسبة له ، أما الادب الحديث يتريث بها بغية التعبير عن المواقف والعواطف الإنسانيه .
" وسيرة بني بلوط " كعنوانها هي من النوع الادبي " قصة السيرة " وعند هذا العنوان يجب أن نبحث في المعنى المقصود وأبعاده . فقصة السيرة في التراث العربي والعالمي نوع أدبي مألوف يأتي في اتجاهين الأول هو السيرة الذاتيه والثاني هو سيرة الآخر الواحد أو سيرة الآخرين أي ، المجموعة . وفي الأدب لونان من قصص السيرة : الأول قصة السيرة الشعبيه ثم قصة السيرة الأدبية وقد تمتد إلى القصة التاريخيه .
ونظراً لتأثر الكاتب بالقصة الشعبيه وهو كاتب حديث ، من الجدير أن ننظر إلى تأثير جميع الأنواع المذكورة في رواية محمد علي طه والتي تحكي عن سيرة شخص معين هو والد الراوي بينما تحاول حسب عنوانه أن تحكي سيرة المجموعة " بني بلوط " وهذه التسمية لوحدها تبعثنا إلى بُعد آخر بالإضافه إلى كل ما ذكر حتى الآن . " فبني بلوط " توحي بدليلين ؛ الاول ساخر والثاني جاد ، ويجتمع هنا الساخر بالجاد كما هو مألوف في أسلوب محمد علي طه . كلمة بلوط بالعربيه المحكيه تعني شيئا تافهاً ومن ناحية أخرى فشجرة البلوط والملّ هي مايميز شمالي البلاد وهي رمز للصمود ونوعية الخشب القاسي الذي يصمد في شتى الظروف الطبيعيه والجغرافيه الاجتماعيه . والمنطقه التي تتسلسل فيها أحداث الروايه زاخرة بأشجار البلوط ، فهذا هو الواقع . ثم تاتي الدلالة الرمزية بشقيها الساخر والجاد لتضفي على عنوان الروايه ومن ثم على أحداثها أبعاداً أخرى تساعد في تعددية الأسلوب والنص الأدبي .
ذكرنا أن هذه الرواية تحكي قصة والد الراوي مصطفى ، منذ قدوم والده جابر من جبل حواران في سوريا ووالدته وردة اللبنانية الأصل وقصة زواجهما ، ولهذا ، هروبهما حتى انجبا مصطفى الذي بقي حيا وأخوين آخرين توفيا تأثراً بمرض الحصبه الذي كان متفشيا في تلك الفترة ، ومن خلال قصة الجدين يُدخل الراوي وصفاً وتعبيراً مميزاً لحياة الناس والاحداث في تلك الفترة . يتهكم بسخرية معهودة في بعض الأحيان على سلوكيات المجتمع العربي في فترة الحكم العثماني ، وكذلك عندما يحكي قصة ابيه الذي ترعرع في فترة الانتداب البريطاني ، فيصف ويعبر عن سلوكيات المجتمع العربي القروي في هذه الفترة ، حتى يصل إلى ولادته مع إخوته وترعرعهم في فترة دولة إسرائيل ، بنوع من السخريه والجدية كما أسلفنا.
إذن هنالك سيرة جده جابر البلوط وجدته وردة في الفتره العثمانيه وهنالك سيرة ابيه مصطفى في الفترة البريطانية وما حولهما من سيرة مجتمع كامل هو المجتمع الفلسطيني القروي من خلال تفكيك اسلوبي لتحليل المجتمع محاولة لفهمه وانتقاده .
2 . مبنى الرواية
الروايه ذات مبنى عضوي متكامل ومع ذلك فالكاتب يجزّئه إلى فصول عددها أربعة عشر فصلاً ذات عناوين جاءت لتحدد المضمون الرئيسي لكل فصل . أما في الواقع فالرواية مقسمة إلى جزأين رئيسيين متساويين من حيث الأحداث وعدد الصفحات ولكن ليس من حيث عدد الفصول .
الجزء الأول من الروايه يمتد من الفصل الاول " الجرّة " وحتى الجزء الحامس
" مصطفى يؤدي القسم الثوري " والجزء الثاني هو المثير الذي يريد أن يضع والد الراوي في إطار التاريخ القومي ، وهذا يرجع لعوامل قد تكون ذاتيه وقد تكون سياسيه أو وطنيه عامة . ومع أن هذا الجزء يحاول إضفاء عوامل إنسانيه على سيرة مصطفى والد الراوي فإن مجرد
وضعه في هذا الإطار هو عملية تفخيم الحدث وليس تبسيطه كما هو مألوف في الادب الحديث .
أما الجزء الأول فهو يحكي كما أسلفنا بأسلوب شيق وشعبي واقعي عن تسلسل العائله محيكا من خلال ذلك تطريزات أنيقه لسيرة قروي بسيط على علآته
وسلوكياته المتنوعة .
القصة تبدأ بموت الأب وهذا بحد ذاته موضوع آخر للدراسه يجب خوضها في اتاجاه علم النفس التحليلي ، ولا نستطيع التطرق إليها في هذا الإطار . والوالد بطل الروايه يموت عام 1981 ، وعلى فراش موته تحدث بعض الأشياء التي يعبر عنها الكاتب بأسلوب مميز وبحنكة خاصة قد لا ينتبه لها القارئ العادي ، بغية تشغيل الذاكرة التي تسجل الأشياء ليس بطريقة الخط المستقيم العائد إلى الوراء ، بل بطريقة لولبيه تندمج فيها أحداث تسجل بعضها ذاكرة الراوي نقلاً عن ذاكرة الآخرين .
فهكذا تعود ذاكرة الراوي إلى عمر خمس سنوات ليرافق سر " الجرة " وهي الكنز المدفون ، كما نعهدها " فكرة " في الادب الشعبي ثم يأتي دفن الجرة عام 1948 لعدة أشهر ريثما يعود الوالد مصطفى من السجن الاسرائيلي بعد أشهر ، يخرجها من المخبأ ليعود بها إلى مخبأها الجديد على " سدّة البيت " حيث تبقى محافظه على سرها إلى ما بعد موته وقراءة الوصية .
مصطفى ، لو عملنا حساباً لما يرويه الكاتب ، فهو مولود عام 1910 ، أي زمن الحكم التركي لأنه كان في السابعة من عمره عند مقتل ابيه جابر يوم الاحتلال الانكليزي .
تتدرج الاحداث بشكل لولبي ليس من الصعب تعقبه ، كما يحدث في ألف ليله وليله . إن قصة تذكر الراوي بقصة وهذه بقصة أخرى حتى يعود إلى الحدث الذي بدأ به – وهكذا دواليك .
أن قدرة الكاتب في المحافظة على بنية القصة العضوية يستعمل الزمن بشكل مميز لكي لا تضيع الاحداث كما هو الأمر في الأسلوب الشعبي في العصور الوسطى :
- وذكر لنا أيضاً وهو ينبش ذاكرته انه شاهد في ظهيرة ذلك النهار الصيفي ...
- عندما كنت ولداً صغيراً في الرابعة أو الخامسة من عمري ...
- بعد أن هدم الانكليز عداداً كبيراً من البيوت .
- وفي عصر أحد الأيام .
وعلى رأس ذلك يبدأ القصة لتكون سيرة واقعية في زمن محدد :
- في مساء يوم الخميس الثالث من أيلول 1981 فارق أبي الحياه ...
إن استعمال الزمن في قصص السيرة أمر ضروري يبعد القصة عن أن تكون خرافة عن شخص معين . لأن الزمن والمكان هما الذان يفصلان بين الحكايه والخرافة .
ومع ذلك فتتميز هذه الروايه ، كما عهدناها ايضا عند إميل حبيبي ، بتتخيت الاحداث الواقعية ، احداث السيرة ، أو الاحداث التاريخية ، بحكايات ترويها شخصيات هامشية في القصة . أو أحداث هامشيه على لسان الراوي نفسه – مثلا :
" – قلت مرة لأخي وأختي : هل تعرفان حكاية جرة العجوز ؟ ردّ أخي سائلاً ، ما هي ياأبو الحكايات .
قلت : في صغري سمعت الحكايه من جارتنا رقية الحسن ، رحمها الله
قالت : كان يا ما كان " ( ص24 ) .
نلاحظ هذه الحنكه الرائعة في اسلوب ومبنى القصه . فالكاتب يدمج بأسلوب لولبي عدة الوان في سرد القصه يتمحوره أسلوب الحديث المسند وغير المسند ، ويجعله في إطار أسلوب الحكاية الشعبيه وأسلوب ألف ليله وليلة .
نستشف من عرض التسلسل الزمني أن الراوي وهو الشخصيه الرئيسيه في القصة ولد عام 1910 وتوفي عام 1981 ولكننا لا نستطيع أن نعرف تاريخ ميلاد أبيه جابر الذي عايش الفترة العثمانيه زمن حكم عبد الحميد ، إلا أنه قتل عام 1917 وهو بعد زواجه بعشر سنوات ومعنى ذلك انه تزوج عام 1907 .
وهذا يعيدنا إلى الموتيف الواضح في بعض قصص محمد علي طه وبشكل خاص الذي يبرز في قصة " القاعدة والاستثناء" وهو فكرة الثالوث الذي يتمحور حوله تاريخ الشعب الفلسطيني في العصور الحديثه هو : فترة عبد الحميد العثمانية ، فترة الانتداب البريطاني ثم الدولة الاسرائيليه . وقد يعود ذلك إلى إمكانية الذاكرة لهذه الفترات الثلاث .
أما أهمية الجزء الثاني من هذه الرواية فهي تفخيم الشخصية الرئيسيه بجعل مصطفى ثائراً في فترة الثلاثينات حتى جلاء الانكليز عن البلاد من ناحية ، وأنْسَنَة هذه الشخصية من ناحية أخرى بتركيز الاحداث ، ليس على الأعمال البطولية كما يحدث في مثل هذه الاوضاع ، بل على تجسيد العواطف وتحريكها مجسدة بسلوكيات الشخصيات الفاعلة في الرواية .
3 . أسلوب التتخيت :
استعمل الفلاحون أهل القرى مصطلح التتخيت في الحالات التي أرادوا فيها بناء طبقات متراصة في الأجسام التي لها أشكال هندسية مسطحة لجعلها متعددة الجوانب والأبعاد . هكذا في المنازل وهكذا في الصناديق وهكذا في البنى المتعددة .
وأسلوب الحكاية الشعبيه كما أسلفنا ذات بنية مسطحة كالهندسة المستويه . فعندما يريد كاتب حديث أن يعيد كتابة قصة شعبيه بأسلوب حديث ، أو كتابة قصة حديثة بأسلوب شعبي ، جدير به أن يصمم بنية هذه القصة بشكل مجسم ، أي ذات تعددية بنيويه .
الكاتب محمد علي طه يتميز بهذه الطريقة ، لأن كتاباته تعبّر في كثير من الأحيان عن المجتمع الشعبي القروي الذي يعيشه الكاتب سواء بشكل مباشر أو عن طريق الذاكرة . فلو جمعنا كتابات محمد علي طه لوجدناها بانوراما حقيقيه تعكس حياة الشعب الفلسطيني في فترات مختلفه وفي جوانب متعددة ومتنوعة .
وهذه الرواية هي استمراريه وتواصل لحياة هذا الشعب وهي لبنة أخرى ، من فترة أخرى ومن جانب آحر لمجموعة كتابات محمد علي طه .
محمد علي طه يعتمد عدة عوامل في " تتخيت " قصصه بدءاً من العامل اللغوي ، ثم استعمال التشبيهات الصوريه الخاصة ، والعامل الثالث هو التجسيد السينمائي وأخيراً القصة المتداعيه ، والتي أطلقنا عليها آنفاً الأسلوب اللولبي في سرد الأحداث . لغة محمد علي طه هي لغة بسيطه يوميه وقروية وفقاً للمضامين التي تتحدث عنها قصصه ، وهذا ما يميز كتاباته ، لأنه لا يمكن التعبير عن حياة الفلاحين إلاّ بهذه اللغه .
وقد أثار هذا الموضوع نقاشاً هاماً في التاريخ الحديث لكتابة القصة العربيه . السؤال المطروح هو كيف نعبرّ بلغة فصيحة جيده عن هموم القرويين البسطاء ، عن مخاوفهم وأحلامهم . وهل يمكن في الحوارات ، داخل القصة ، أن يتحدث أولئك بلغة فصيحة غير واقعية وغير طبيعية .
وقد وجد بعض الأدباء الكبار مثل نجيب محفوظ والطيب الصالح حلولاً لهذه القضية ؛ فالكاتب الذي يتحدث باسم الراوي يكتب احداث الرواية بلغة فصيحة ، ويجعل شخصياته تتحدث باللغة المحكيه وفقاً للهجة موطن الكاتب . ولكن ذلك ألزم الاديب بتذييل ترجمة فصيحة ، في كثير من الأحيان لأقوال الشخصيات لأن الشعوب العربيه تحكي بلهجات مختلفه لا يعرفها الآخرون . وهنالك من لم يترجم هذه الاقتباسات فبقيت غريبه على القراء من الدول العربيه المختلفه .
الكاتب محمد علي طه تخطى هذا الموضوع بخلق لغة عربية فصيحة ولكنها مبسطة يفهمها الجميع ، اللهم إلا في بعض الحالات النادرة التي قد تكون فاتته أو اعتبرها مفهومة للجميع . ولنقرأ العبارة التالية التي يجد لها الكاتب مخرجاً ذكيا :
" كانت ( لفافة الجلد ) تشبه رغيفاً من الخبز الرقيق ، خبز الصاج ، الذي كانت تدهنه أمي لي بالزيت وتلفه وتناولني إياه ونسميه " عروسة " ( ... ص31 ) " .
في هذه الطريقة يستغل الكاتب التشبيهات المأخوذة من المصادر الشعبية ويجد لها حلولاً ذكيه ليجعل القارئ من كل بلد فاهماً لها ومشاهداً لمناظرها .
وفي حالة أخرى وعلى نفس الطريقة :
" يقول المثل الشعبي : فلان مقطوع من جرة للدلالة على أنه بلا أهل وبلا أقارب" ( ص35 ) .
وهنالك طرق أخرى يستعملها الكاتب بحنكة خاصة للخروج من إشكالية اللغة المحكية ، وهي أن يجعل بعض المصطلحات مفهومة من السياق :
" وصلنا إلى ( الزريبه ) فوجدنا الثيران الثلاثه حجاب وصباح وخير تنتظر عشاءها ، فتناول شاهين ( قفة ) القش وبدأ ينقل الطعام من المتبن إلى المذود ..." ( ص67 ) .
وقد قلنا إن هنالك بعض المصطلحات المحلية التي لم يجد لها حلولاً في تواصل السرد قد تكون غابت عن أنظار الكاتب ، على سبيل المثال :
" ولكنني قررت أن أتجنب درب الملايات ... " ( ص64 ) .
ثم التعبير التالي :
" وجدت الأفندي جالساً على مقعد وثير ويداعب أحجار مسبحة الكارب ..."
ولغة الكاتب محمد علي طه هي في كثير من الأحيان لغة تفصيلية في سرد الأحداث على عكس الحكاية الشعبية . ولكن هذا الأسلوب يستعمله الكاتب للتتخيت وليس لمجرد سرد التفاصيل من الأحداث . فأسلوبه غنيّ بالتشبيهات البصريه الصورية والتي في كثير من الأحيان لها دور في جعل القصة سيناريو مسرحي سينمائي .
يبدأ هذا الأسلوب بالمرحلة الأساسيه التي تعتمد على المنطق البصري التصويري ، وتتطور إلى مشاهد كاملة تتدخل فيها فكرة الإخراج على خلفية من الديكور الكامله .
" كان الأفندي يملك فرساً أصيله إسمها " عبله " بيضاء اللون وفي جبينها خصلة شعر رماديه ...
وكان المختار يملك فرساً أصيله إسمها " يمامه " ... وهي فرس بنية اللون وعلى جانبيها بقع بيضاء ناصعة ... "
إن لهذه التفاصيل دوراً في تجسيد الأحداث وتطبيع الذاكرة . وهي تضفي على الأحداث رونقاً خاصاً يساعد في تجسيم البنية التعدديه للرواية الشعبيه .
زد إلى ذلك ، كما قلنا ، التشبيهات والصور التي يستعملها الكاتب وخاصة في المشاهد الإنسانيه العاطفيه ، ما يجعل من هدف الروايه ليس التسجيل التاريخي للأحداث ، بل التعبير عن عواطف الشخصيات بشكل إنساني محض .
روايه أخرى رائعه لمحمد علي طه جديرة بالقراءة .