ادب ومقالات
 
مركز أدب الاطفال
أدب الأطفال والحكايه الشعبيه
من الخرافة إلى الحكايه الشعبيه
قصص الدكتور نجيب نبواني بين القديم والحديث
خطوط اساسية في الكتابة عند سليم خوري وعبد اللطيف ناصر
سليم خوري – خطوط اساسية في كتابته :
البنى التحتيه المساعده لفهم ادب الأطفال
2 – المصطلحات العلميه المهنيه وطرق استعمالها .
الأسس الانسانية لأدب الأطفال
أدب الطفل العربي - بين الدراسة والابداع
كتاب "الخرز الملون" للسلماوي
محاضرة في جامعة بارإيلان

مركز أدب الاطفال

  

مركز أدب الاطفال

يدير المركز الدكتور نعيم عرايدي بتوجيه من هيئة إرشاد برئاسة الدكتور نجيب نبواني، وتضم الهيئه ممثلين عن جميع أقسام الكليه. يقوم المركز منذ تأسيسه بإنتاج وأصدار كتب ملائمه لجميع مراحل الطفوله، وباعداد برامج ونشاطات متنوعه:كإقامة أيام دراسيه ودورات إستكمال ومشروع مكتبات صفيه لتشجيع القراءة، ولقاءات بين المبدعين ، وتشجيع الفنانين على تقديم رسومات لكتب الاطفال. ويسعى المركز جادا للنهوض بادب الآطفال في هذه البلاد.
أ- المبنى: مركز أدب الآطفال جزء من الكلية العربيةالاكاديمية للتربية- حيفا
ب- وظيفة المركز:يعمل المركز في عدة مجالات :

1 . مكتبات مركزيه: يقيم المركز في المدارس العربيه المختلفة مكتبات لكتب الاطفال التي صدرت في هذه البلاد في اللغة العربية، كما ويدعم إقامة مكتبات مدرسيه ومكتبات صفيه في هذا المجال .


2. إستكمالات وحلقات دراسية :


ينظم المركز أياما دراسية، واستكمالات وحلقات دراسية في مواضيع وثيقة الصلة بمجالات ادب الاطفال. هذه الاستكملات موجهة لمجموعات محددة ومتنوعة، لها علاقة بالموضوع: معلمين ،ومفتشين، ومدراء، ومسؤولين في المكتبات،ومعلمات روضات الاطفال، والآهالي.

3. التشجيع على النتاج الابداعي باللغة العربية:


لقاءات للمنتجين: ينظم المركز لقاءات للمنتجين الذين يهدفون الى تشجيع الانتاج الابداعي العربي للاطفال، والى دعمه من ناحية فنية، وبمساعدة محاضرين يختار المركز نصوصا ملائمة، ويهتم بانتاجالكتب ونشرها.

4 .ترجمة : بمساعدة المحاضرين يختار المركز الكتب الملائمة للترجمة الى العربية. تجري عملية الترجمة على أيدي مترجمين، ويهتم المركز بانتاج الكتب ونشرها.

5 . رسوم إيضاحية في الكتب:

يشجع المركز مجموعات من الرسامين الايضاحين، وذالك لتطوير هذا المجال
في ادب الاطفال . ويأخذ هؤولاء الرسامون الايضاحيون على عاتقهم تزويد الكتب التي ينتجها بالرسومات الإيضاحية.

6 . بحث:

المركز يشجع المعلمين الشباب على التخصص بإدب الاطفال، ويبادر
كذالك الى القيام ببحوث تساعد على تطوير أدب الاطفال العربي.

7. جمع قصص شعبية:

يهتم المركز بالتشجيع على جمع واعداد قصص شعبية وأشعار تتعلق بأعياد
مختلف الطوائف وإصدارها.

8 . مجلة :

يبادر المركز الى اصدار مجلة ومادة ارشاد حول ادب الاطفال. تصدر باللغة
العربية،مع تلخيصات بالعبرية والانكليزية ( انشرها وتوزيعها دوليا ).
تشتمل المجلة على زوايا للبحث والنقد لكتب الاطفال، وتوصيات على كتب
معينة، ومنبر للابداع الاصيل، ولقصص مترجمة.

9 . شعر ولحن :

مركز ادب الاطفال العربي بمشاركة التربية الموسيقية في الوسط العربي
ينتج ويصدر انطولوجيا "اشعار والحان للآطفال" تحتوي الانطولوجيا على
قصائد ملحنة(مرفقة بنوتة).

10 . مؤتمرات :

يقوم المركز بعقد مؤتمرات قطرية وعالميه لأدب الاطفال للاستفادة من تجربة الأخرين في هذا المجال والإثراء المتبادل .

11 . ارتباطات بالمراكز الاخرى :

يسعى المركز للتعاون والتبادل المشترك في هذا المجال مع مراكز ومعاهد ادب الاطفال في البلاد والمنطقه ومركز ادب الأطفال العالمي .

12 . التلفزيون التعليمي :

يتعاون مركز ادب الأطفال مع سلطة التلفزيون التعليمي وينتج القصص الصادرة عن المركز بشكل مسلسل تحت عنوان " درب الحكايات " .
د. نعيم عرايدي .

أدب الطفل العربي

بين الدراسة والابداع

· بقلم : د. نعيم عرايدي *

1 – مقدمة : مركز ادب الاطفال العربي والنقاش حول ادب الاطفال
لقد شرعت منذ فترة في كتابة دراسة محيطة حول ادب الاطفال ، كنت انوي نشرها في سلسلة مقالات منظمة ، ومن ثم كتاب خاص ، الا ان النقاش الذي اثير مؤخرا في صفحات " الاتحاد " الزمني على نشر هذه المقالة ، والتي تتناول ما جاء في المقالات المذكورة من تساؤلات بغية الرد عليها من جهة وبغية تنظيم الموضوع من جهة اخرى.
وقد يجيئ هذا الرد ليس فقط لاني أدرّس هذا الموضوع منذ سنوات عديدة ولاني مهتم باثارته جماهيريا واكاديميا بل ايضا لاني ادير مركز ادب الاطفال العربي في البلاد والذي يتساءل المعنيون حول نشاطاته. وقد ذكر جميع المتناقشين اهمية هذا المركز ومسؤوليته ودوره الحسّاس بأهمية أدب الاطفال والوقوف على ان حقيقة امر بناء المجتمع السليم والقويم يبدأ من الاهتمام بالطفل .
وحقيقة أن هذا النقاش يدل على ازدياد الوعي التربوي وانتشار التعليم في مجتمعنا العربي . وان ما اثارته هذه النقاشات من تساؤولات حول ماهية ادب الاطفال ومقومات ادب الاطفال هي بمثابة تكثيف جوهري واضافة ابعاد ضرورية لطرح الموضوع .
وقد بدأه الدكتور أحمد هيبي بقوله : " هذه هي بعض الاسئلة التي اثيرت في اللقاءات التي اجراها مركز ادب الاطفال العربي . . . باشتراك عدد من كتاب الاطفال ، والمهتمين بأدب الاطفال عموما ، عربا ويهود " .
( " الاتحاد " ، 21\1\1996 ) . ويضيف الدكتور هيبي " والتي وان كنت فيها اخالف معظم الأراء المطروحة الا انها خطرت لي من وحيها – وهذه هي اهمية اللقاءات : انها تدفعك الى التفكير في مسائل كانت تبدو لك بديهية قبل ذلك " .
اذن ان احد نشاطات مركز ادب الاطفال العربي هو عقد مثل هذه اللقاءات المثمرة والتي تدفعنا وتشجعنا على الاثارة ، الحوار ، والنقاشات البناءة .
وقد وجه السيد عفيف سالم ( " الاتحاد " ، 29\1 \96 ) نداء الى مركز ادب الاطفال العربي جاء فيه : " ان اصدارات المركز هي خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح . . .
ونظرا لهذا المعنى قلنا ما قلناه ، وحكمنا بم حكمنا وان كنا لا نعرف برنامج هذا المركز بتفاصيله وابعاده ... " .
ردا على نداء الاستاذ عفيف سالم نقول ان هذا المركز اقيم عام 1995 كمركز جماهيري شعبي تبنته ثلاث مؤسسات هي : الكلية العربية للتربية في حيفا . والمؤسسة الثانية هي كلية لفنسكي ، وفي الكلية فرع للمركز يخدم سكان وسط البلاد والجنوب . والمؤسسة الثالثة هي " الفنون للشعب " والتي تهتم من خلال نشاطاتها الادبية والفنية بنقل فعاليات المركز الى القرى والمدن البعيدة .
يعمل المركز على تشجيع الكتابة الابداعية المحلية في ادب الاطفال وقد اصدر هذا الشهر ثلاثة كتب للاطفال باصدار راق مرفق بالرسوم الرائعة . وسيصدر المركز كتبا اخرى خلال العام الحالي .
يعمل المركز على عقد لقاءات شهرية لادباء وشعراء الاطفال يناقش من خلالها المواضيع الملحة في هذا المجال ويعمل على بلورة هذا الاتجاه بشكل ممأسس ومنظم . كما يعمل المركز على اقامة ورشات لرسامين معروفين ينوون الرسم لكتب الاطفال دُعي الى الاشتراك فيها جميع المعنيين من خلال الصحف العربية .
واستجابة لدعوة الاستاذ عفيف سالم المباركة لعقد يوم دراسي احتفاء وتكريما للكاتب المرحوم عبد اللطيف ناصر ، بدأنا بالتحضير لهذه المناسبة ، ونحن ندعو بهذا جميع زملاء وذوي المرحوم الى الاتصال بنا للمشاركة في هذه المناسبة .

ثم جاءت مقالتان ، واحدة للاستاذ محمد بدارنة في جريدة "الاتحاد" ( 30\1\1996)
واخرى للكاتب الاردني فخري صالح في جريدة " الحياة " ( 29\1 1996 ) تناقشان مقومات ادب الاطفال العربي . ويجدر بنا مناقشتها وطرح منظورنا لمفهوم ادب الاطفال .

2- الكتابة للاطفال في المجتمع العربي

يبدأ الاستاذ فخري صالح مقالته المذكورة في جريدة " الحياة " بطرحه فرضية هي بمثابة موقف لم يسنده بأية حقائف مدروسة ، فيقول : " يبدو لي ان الكتابة للطفل في العالم العربي تمّر مثل الكتابة للكبار ، بأزمة حادة معقدة . ولان كان الكتاب ، او المجلة او الصحيفة الموجهة للكبار تعاني من مشكلات التمويل والارتقاء بالمستوى ومحاولة الحفاظ على رقعة التوزيع ، فان كتاب الطفل ومجلته وصحيفته تجعلنا في الحقيقة ننادي بضرورة التضامن في حملة انقاذ للطفل العربي المسكين الذي يتعرض عقله الغض لحملة شرسة من ناشرين تغلب على ماينشرونه من كتب الرغبة في الربح من دون اهتمام بشكل كتاب الطفل او بطبيعة المادة التي تتضمنها . . "
( " الحياة " ، لندن ، 22\1\96 ) .
هنالك عدة امور متداخلة في هذه المقالة كان لا بد من فرزها وتنظيمها باتجاهات مختلفة ، فالفرضية المسبقة في ربط ادب الصغار مع ادب الكبار فعلا يعاني ما يعانيه ادب الصغار . ولا ندري ان كانت مشكلة ادب الكبار او ادب الصغار تعاني فعلا من هذه الازمة المطروحة ، حيث يعتبر الادب اليوم ( للكبار ) شعرا ونثرا ادبا راقيا وعلى مستوى عالمي . ان ترجمته ونشره في العالم الغربي يمكّن من لفت الانتباه اليه ، الامر الذي لم يكن واردا قبل عدة سنوات .
اما المشكلة الأساسية لادب الاطفال التي اخذت تجد حلا لها في السنوات الاخيرة فهي ضرورة وجود ادب الاطفال ، الاهتمام به ، رعايته وتوصيله الى المستوى الكمي والنوعي الذي يليق به في المجتمعات المتحضرة ، والذي هو حق اساسي للاطفال العرب اسوة بالاطفال في العالم الغربي ذلك لان الاهتمام العربي بأدب الاطفال هو حديث العهد ، وهو ثمرة جهود مكثفة تأثرت بما يدور في هذا المجال في العالم الغربي .
صحيح ان ادب الاطفال هو ادب قديم حديث . حيث كانت الامهات والجدات يقصصن الاساطير والحكايا الشعبية للاطفال قبل النوم ، وصحيح ان الامهات والجدات كنّ يغنين التهاليل والقصائد الشعبية على اسرة اطفالهن . فكل ذلك جزء لا يتجزأ من عمل الكبار . ضف الى ذلك اتجاه هذا الادب ونوعه كأدب مسموع وليس كأدب مقروء .
اما الاهتمام النوعي بأدب الاطفال في الوسط العربي فقد بدأ في بداية القرن ولكن ليس بشكل مكثف او منظم او ممأسس ، بل هو ثمرة اجتهاد على مستوى الافراد والاشخاص . هكذا بدأ الاستاذ المعروف رفاعة الطهطاوي : " ان اول من قدم كتابا للاطفال العرب هو رفاعة الطهطاوي وذلك حينما رأى ان اطفال اوروبا ينعمون بقراءة انواع مختلفة من الكتب التي كتبت خصيصا لهم . فقام بترجمة كتاب انجليزي الى اللغة العربية ، وهو عن مجموعة من الحكايات ، وكان اسمه " عقلة الاصبع "
( مفتاح محمد ذياب ، مقدمة في ثقافة وادب الاطفال ، ص21 ) .
ويسرد الكاتب تاريخ الكتابة للاطفال في العالم العربي ، مرورا بالشاعر احمد شوقي وكامل كيلاني وعطية الابراشي وعادل غضبان ، ويؤكد دعمه لعدم اهتمام العالم في الطفل وادبه، ويقول : " ولكن بعض الطلائيعين في هذا المضمار لم يأبه بنظرة المجتمع الى الاطفال وادبهم ، تلك النظرة التي كانت – كما رأينا – نظرة استخفاف واستهانة ، بل استمر هذا البعض في العطاء والكتابة والاهتمام حتى وفاته ، مثل كامل كيلاني ( 1897 – 1959 ) الذي يعتبره ادباء الاطفال اليوم الاب الشرعي لادب الاطفال في اللغة العربية . . " ( نفس المصدر ، ص33 ) .
اذن ان اولئك الادباء والمربين وضعوا حجر الاساس لادب الاطفال العربي الحديث . ثم ان اهتمام ادباء وشعراء الكبار بالكتابة للاطفال مثل احمد شوقي وزكريا تامر وغيرهم لم يكن كافيا لنقول ان لدينا تقاليد وتجربة في الكتابة للاطفال .
نستطيع القول فقط ان تلك المحاولات الفردية في ذلك الوقت قد تكون اوجدت مناخا مناسبا في الخمسينات والستينات لزيادة الوعي التربوي والاهتمام بضرورة رعاية ادب الاطفال .
اما العملية الاحصائية لهذا الموضوع فهي تدل على انه : " ومهما بلغ عدد الكتب التي اصدرت خلال السنوات الماضية ، فهي قليلة جداً اذا قورنت بنسبة عدد الاطفال العرب القادرين على القراءة والذي بلغ عام 1970 حوالي 32 مليون طفل دون سن الخامسة عشرة ، وهم بحاجة الى ما لا يقل عن 1500 كتاب كل سنة باثنين وثلاثين نسخة " ( هادي نعمان الهيتي ، ادب الاطفال ، ص288 ) . قد تكون هذه الاحصائية صحيحة لفترة السبعينات ويظهر انها صحيحة ايضا لفترتنا اليوم . فمع ان احدا لا يشك في القفزات الهائلة التي مر بها ادب الاطفال من الناحيتين الكمية والنوعية في العقدين الاخيرين فاننا نشك في ان تكون هذه القفزات ملأت النقص الكبير في هذا المجال .
هذا من جهة ، اما ما نريد ان نطرحه هنا فهو ضرورة الفصل بين النقاش الاكاديمي حول ماهية ادب الاطفال ، نظريته ، مقوماته واهميته الفنية والتربوية ، وبين ضرورة وجوده وتشجيع الادباء المبدعين في هذا المجال على ضرورة الكتابة وعلى ضرورة رعاية كتاباتهم وطباعتها ونشرها . ومن جهة اخرى يجب ان ننوه هنا الى ان التمييز بين الدراسات الاكاديمية وبين الكتابة الابداعية هي امر ضروري .
ولا اظن ان احدا يشكك في اهمية ادب الاطفال كحق اساسي للاطفال علينا ، نحن المهتمين بهذا المجال : " ادب الاطفال يتيح الفرصة امام الاطفال لتحقيق الثقة بالنفس وروح المخاطرة في مواصلة البحث والكشف وحب الاستطلاع ، والدافع للانجاز الذي يدفع للمخاطرة العلمية المحسوبة من اجل الاكتشاف والتحرر من الاساليب المعتادة للتفكير والميل الى البحث في الاتجاهات الجديدة . . " ( د. حسن شحاته ، ادب الطفل العربي ، ص 12 ) .
واخيرا نريد ان نؤكد هنا ، قبل النقاش في التساؤولات المطروحة ، حقيقة اننا من ناحية اولى نتأثر بما يجري على الساحة الغربية في موضوع ادب الاطفال وخاصة في دراسات هذا الموضوع . اما من الناحية الثانية فاننا نؤكد ميزات مجتمعنا الخاصة والتي تختلف عما يجري في ادب الاطفال العربي : " ان ما بين ايدينا من دراسات لموضوع نمو الاطفال هوثمرة بحوث العلماء الاجانب في بيئات غير بيئاتنا . وعلى اطفال يختلفون عن اطفالنا اختلافا كبيرا في نواح منها : انواع البيئات الاجتماعية وألوان التراث الثقافي الذي يكتسبه الافراد من مجتمع له تقاليده وعاداته ودياناته واتجاهاته .. " ( احمد نجيب : ادب الاطفال – علم وفن 1991 . ص38 ) .
لا مانع اذن ان نستمر بترجمة الاداب العالمية ، مثلما فعل رواد ادب الاطفال العربي، ولا مانع ان نستعمل الادوات العلمية ونستغلها بغية الاستفادة منها في اثراء ادب الاطفال- النصوص والدراسات .

3 – ادب الاطفال وادب الكبار

لم يهتم المجتمع العربي في العصور السالفة بالطفل والطفولة وذلك لاهتمامه منذ العصور الوسطى بمواضيع كونية فلسفية ودينية . اما بالنسبة للادب بشكل عام فقد تركز في اطار ادب الكبار فقط . وفي العصور الحديثة كان الوطن العربي محتلا ومستعمرا مما جعل مفكريه وادباءه يصبون جل اهتمامهم بمقاومة الاستعمار وبمواضيع بعيدة كل البعد عن الطفل وعالمه . واما ما هو مشترك للمجتمع العربي والمجتمعات الاخرى التقليدية هو كون الطفل بعيدا عن مجال اهتمام الكبار لظنهم بأنه مخلوق صغير ناقص العقل والتجربة والمعلومات ، هذا مما جعل نظرة المجتمع العربي الى ادب وادباء الاطفال نظرة استخفاف واستهانة . ولم يحظ ادباء الاطفال بالمركز المرموق ذي الاهمية التي حظي بها ادباء الكبار .
لا ادري حتى ان كان هنالك مجال للتساؤل حول وجود ادب اطفال ، منفصل ومتميز عن ادب الكبار ، فالتساؤل الذي يثيره الدكتور احمد هيبي مخطوء بصيغة طرحه : " هل هنالك ادب اطفال منفصل ومتميز عن ادب الكبار ؟ " ( " الاتحاد " ، 21\1\1996 ) .
ان مرحلة الطفولة هي مرحلة مختلفة نوعيا عن المراحل المتأخرة . فهي لا زالت في طور التكوين والنمو – وهذا ما يميز احساسهم ، تفكيرهم ، لغتهم ومهارتهم : " ان طبائع الاطفال تختلف عن طبائع الكبار . فمراحل النمو التي يمر بها طفل لها دراجات مختلفة في كل مرحلة . وذلك يتصل بالنمو اللغوي ، العلمي ، العاطفي والفكري . ضف الى ذالك المستويات البيئية ، الاجتماعية والاقتصادية . . " ( احمد نجيب – علم وفن 1991 ) .
ولا يعقل بطبيعة الحال الا يتميز ادب الاطفال عن ادب الكبار ولو لهذه الأسباب الطبيعية والنفسية والعقلية . فلكل مرحلة من مراحل النمو ما يناسبها عقليا ، جسميا ، لغويا وعاطفيا . ولا يمكن الخلط العشوائي في مثل هذه الامور التي من شأنها ان تؤثر على التقاليد القرائية للطفل . وقد صنف " بياجيه " وتلامذته هذه المراحل حسب مراحل اساسية بهذا الشكل :
1- مرحلة الطفولة المبكرة ( 3- 6 ) سنوات .
2 – مرحلة الطفولة المتوسطة ( 6 - 8 ) سنوات .
3 – مرحلة الطفولة المتأخرة ( 9 – 12 ) سنة .
4 – مرحلة المثالية او الرومانسية ( 12 – 15 ) سنة .
وتتميز كل مرحلة بطبائع خاصة في كثير من الاحيان باختلاف الافراد والبيئات والمجتمعات . فالمرحلة الاولى يسميها البعض مرحلة الواقعية والخيال المحدود ، والتي لا تزال فيها القيم غير واضحة بالنسبة للطفل . فتلائمها القصص التي تأخذ فيها الحيوانات والطيور وحتى الجماد دوراً فعالا . انها مرحلة التفكير الحسّي والصوري .
اما المرحلة الثانية فهي مرحلة الخيال المتحرر حيث تزداد فيها لدى الاطفال الخبرات الذاتية في المحيط الذي يعيشون فيه . ولهذا تلائمها قصص الخرافات والقصص الشعبية ، ولا تزال الحيوانات والجماد تأخذفيها دوراً رئيسيا .
اما مرحلة الطفولة المتأخرة فتتميز بالرغبة في المغامرة والتجربة الذاتية . وهنا تأخذ الجماعة دور الفرد وللعلاقات الجماعية دور فعال فيها . اذن تلائمها قصص الصداقة
الوفاء ، الخيانة والحسد ، المشاجرات ، المخاطرة والبطولة .
اما من ناحية اللغة فلا مجال هنا في تحليل اهميتها في مراحل نمو الطفل ( راجع في هذا المجال بحثا مفصلا للدكتورة ليلى احمد كرم الدين : اللغة عند الطفل ، معهد الدراسات العليا للطفولة ، جامعة عين شمس 1993 ) .
اذن ، ان هذا التمييز العقلي والعاطفي كاف لان نفصل ونميز ادب الاطفال عن ادب الكبار .
ام ما جاء به الدكتور هيبي ليدعم فرضيته فهو مخطوء منهجيا . يقول الدكتور هيبي : " في لقاء كتاب الاطفال اياه وتحت ضغط الاسئلة المطروحة ، ألهمني الله القول في واحدة من اندفاعاتي غير المحسوبة ، انه لا يوجد هناك ادب اطفال متميز عن الادب العام " .
نقول للدكتور هيبي ان الكتابة للاطفال هي ابداع تماما مثلما هي الكتابة للكبار . وبأنه فعلا اندفع اندفاعا غير محسوب . والدكتور هيبي باندفاعاته المذكورة وبمقالته المذكورة يثبت انه اديب مبدع وبأنه يطرح اسئلة مثيرة مهمة جديرة بالنقاش . والنقاش نوعان ، نقاش الأكاديمين ونقاش المبدعين ، واذا اردنا تصنيف اندفاعاته ومقالته فنضعه في الصف غير المنهجي .
فعلى سبيل المثال ايضا يقول الدكتور هيبي : " هل يصح للبالغ ان يكتب للطفل ؟ وما ادرى الكاتب باحساسات الطفل ، وبعلمه وبذوقه ؟ ان الامر يشبه الى حد ما ان يكتب كاتب رجل ادبا ينضوي تحت اسم " الادب النسائي " .... " .
هنا نستغرب هذه التساؤولات المطروحة والتي من المفروض ان تكون الاجابة عليها امرا واضحا ومعروفا . لان هذا يقودنا الى كل جيل والى كل مهنة والى كل جنس . كأننا نقول : هل يحق للكاتب الاكاديمي ان يكتب عن العمال او الفلاحين . وهل يحق للكاتب المسن ان يكتب عن الشباب ؟ وهل يحق للكاتب الشاب ان يكتب عن المسن؟! وهذه ستصبح كقصة " ابريق الزيت " ، والاجابة عن هذه الاسئلة لا مجال لذكرها ابدا لانها مفهومة ضمنا .
لكن هذا الطرح العفوي البريء من شأنه ان يبعث بنا الى فلسفة الطرح الادبي من الناحية الانسانية في الحضارة البشرية في اطار التساؤل : لماذا نكتب ؟! وهذا السؤال الصعب ، الذي يجب تصنيفه بمعزل عن " النوع الادبي " ( جانر ) . لان ادب الاطفال هو نوع ادبي اخر والذي يتميز عن الادب الشعبي الذي هو نوع ثالث . فهذه العملية هي عملية طرح تصنيفية . انها تصنف الادب . وجميع هذه الانواع هي في اطار ما اتفق عليها تحت عنوان : الادب . واذا كان النص ادبا جيدا فقد يصلح للكبار وقد يصلح للصغار . قد يصلح للرجال وقد يصلح للنساء . وقد يصلح للعمال والفلاحين ، وهكذا دواليك .
للادب الشعبي ، مثلا ، مقوماته وخصوصياته . للادب الكلاسيكي مقوماته وخصوصياته . ولادب الاطفال ايضا مميزاته . وهل في ذلك تناقض ؟ ! وقد ادعم ما ورد في مقالة الدكتور هيبي بأشياء اكثر من ذلك لو انه طرحها بالشكل الصحيح ! فعلى سبيل المثال قد يقرأ الطفل القرأن الكريم ولن يفهمه . ولكنه قد يستمتع بقدسية ايقاعه ورثمه . وقد يقرأ قصيدة لمحمود درويش وادونيس دون ان يفهمها ، وبالرغم من ذلك قد يستمتع بايقاعتها وبأجوائها . وقد حدث ذلك فعلا خلال البرنامج التلفزيوني الذي اقوم بتقديمه مع الاطفال ، ان طفلا في الثامنة من عمره جاء لاحدى الحلقات بمجموعة شعرية لتوفيق زياد وقرأ منها القصائد ، ووجدته يتمتع بقراءتها كما لو انه كان شابا . ويحدث ايضا اننا نحن الكبار قد نستمتع بقراءة نصوص ادبية كتبت خصيصا للاطفال ! فهل في ذلك تناقض ؟ ! وهل يمنع ذلك من وجود ادب الاطفال بمنعزل متميز ذي خصائص ومقومات تختلف عن تلك التي يتمتع بها ادب الكبار ؟ !
ان المقام المشترك للنوعين – ادب الصغار وادب الكبار – هو ما يورده الدكتور هيبي في مقالته ، دون ان يعي ذلك : " لقد كان يكفي تغيير ما ، في حجم الكلمات ، أو في ضغط النص بدون تغيير جوهره أو معناه العميقين في جعل هذه النصوص تصلح ان تكون نصوصا يستطيع الولد ان يقرأها ويتمعن في معناها وموسيقاها ..." .
وهل التغيير في حجم الكلمات وضغط النص والاسلوب هو شيء قليل ؟ ألا يعاني الادباء في استحضار الكلمات وفي تكثيف النص ، وفي بلورة الاسلوب وتهذيبه ؟ ماذا بقي في النص ؟ المضمون ؟ ! وهل في المضمون ابداع ؟ ! أليس الابداع في الكلمات وتراكيبها . وفي الجمل اللغوية والاسلوب ؟ !
ثم يعود الدكتور هيبي وينتبه الى الخطأ الاساسي في الطرح وليس في النظرية : " ينبغي ان نحدد ان عالم الاطفال هو عالم مثله مثل عالم الكبار ، مسكون بهواجس الحب والخوف والكراهية والمبالغة والصراع ، وغير ذلك من المشاعر الانسانية ! ... " .
هنا يكمن الخطأ الجوهري . فالهاجس والحب والخوف والكراهية والصراع ، هذه المشاعر الانسانية هي فعلاً أساسية .

أدب الأطفال والحكايه الشعبيه

  

د . نعيم عرايدي

أدب الأطفال والحكايه الشعبيه

( دراسه في قصص الدكتور نجيب نبواني )

عملية السذاجه والبراءة في هذا الانتاج يحددها جمهور المتلّقين ، الشعب البسيط ، الذي يجعل من القصه شيئاً بسيطاً ويفرض عليها مبنى " مسطحاً " ذا بعدٍ واحد أو بعدين بالأكثر .
الشعب بسيط بمجالات تفكيره ولكنه قوي وعميق بمجالات عواطفه . لذا فالقصه تحاكي العاطفه وليس الفكر .
ومن ناحية أخرى فإن حياة الشعب في الأزمنه القديمة تحت ظلم الحكام وبعدم توفرّ العلم كظاهره شعبية ، فإن التضامن بين الأفراد والمجموعات والفئات يجعلها جميعاً ذات مقام مشترك واحد – عواطف إنسانيه عامه ولكنها أساسيه ، ولهذا تكون مجتمعه بذاكرة جماعيه واحدة . من هذه الناحيه لا تمر هذه المجموعه بتغيرات حادة
ومتنوعة بل حياتها مسطحة شبه ثابتة ، همومها متواصلة ، وأحلامها بعيدة التحقيق لدرجة أنها تتبطن في الأعماق وتبحث عما يثيرها من جديد لتحرر المجموعه والافراد من ثقل وعبء ما تتركه في نفوسهم العميقة .

من هذا المنطلق إن المشترك بين الطفل وبين الشعب البسيط في الفترات المتقدمه أكثر من المختلف .
فالطفل في طور النمو في المراحل الأولى يشبه إلى حدّ ما الشعب البسيط في الفترات المتقدمه الإولى أي قبل تطور العلم والاقتصاد والنواحي الاجتماعيه .
ففي المراحل الاولى لنمو الطفل تبرز العاطفه والغرائز على حساب العقل والادراك والتفكير . غرائزه هي التي تحركه وتصادمها مع القوانين والقيم الاجتماعيه هي التي تثير عواطفه لتجعله يحول الكثير من رغباته إلى أحلام وخيالات والبعض الآخر يبطنه منتظراً ما يمكن أن يدفع به إلى الظاهر ويحرره من قيوده .
والطفل بحاجه إلى القصه أكثر من الشعب البسيط في أطواره القديمه ، لأن الطفل يختلف عن الشعب البسيط بكونه يمر في مراحل تطوره الأساسيه بتغييرات هائله ، تثير لديه شبكه معقده من الانفعالات القويه تأخذ بالاتساع رويداً رويداً حتى تقربه من عالم الكبار في الفترات اللاحقه . قدراته الفكريه تكبر فتبرز رويداً رويداً على حساب غرائزه وعواطفه وهنا يحتدم الصراع لدرجة الانفجار إن لم يجد الإطار اللائق لتلطيف هذا الصدام .
وفي الأساس إن الوظيفة الرئيسية للدين والفلسفه ، وقبل ذلك بالمقابل ، الأدب الشعبي على أنواعه ، هو تزويد المجتمع الإنساني بفرصة إيجاد مفهوم حقيقي وعميق للحياة .
لا يمكن ترك الحياة تسير بشكل لا يجد فيها الإنسان مفهوماً لحياته ، وذلك لأن الوجه الآخر لغريزة التشبث بالحياة هو غريزة هدم الحياة ، وكثيراً ما يمر الإنسان ، فرد وجماعة ، بظروف تشجعه على القضاء على حياته ، وذلك عندما يفقد الإنسان قيمة حياته . هكذا أيضاً بالنسبة للطفل الذي يمر كما أسلفنا بظروف متصارعة وبتناقض بين حريته وبين تقييد المجتمع لهذه الحرية . من هذا المنطلق ، يتوجب علينا دائماً أن نزود الطفل بفرص عاطفيه ونفسية ، يجد من خلالها المفهوم العميق لوجوده في هذه الحياة ، ومن ثم الحصول على شعور بالذات وإدراك قيمته الخاصه والمستقله أو تلك التي تبحث عن إستقلالها .
إن التربيه المباشرة سواء كانت من قبل الأهل أو في إطار المؤسسه التربوية ، لا تستطيع ، خاصة في الاجيال الدنيا ، أن تفي بذلك المطلب أو الحصول على الهدف المرغوب من قبل الكبار أو المجتمع ككل . لأن هذه الأطر تقوم بدورها التربوي عن طريق العقل ، أي الوعي والإدراك . بينما ما يحتاجه الطفل هو تلك التجربه العاطفيه والنفسيه للوصول إلى نضوج إدراكي يمكنه من التعامل مع ما يدور حوله من ضرورة الإلتزام بالقيم والإخلاق والسلوكيات التي يفرضها المجتمع .
إن تفهم هذه الأمور ومحاولة إدراكها في نفسية الطفل بحاجة إلى " هضم " داخلي يتدخل فيه الخيال واللغة الكافيه المعبّرة التي تأتي من خلال نصوص لغويه ورسومات مثريه تعبر عن هذه المراحل الحبكيه وتلخص له الحياة بشكل " عملي حقيقي " من خلال القصة .
من المعروف أن الحكايه الشعبيه تجسد تعبيراً لرغبات مبطنه داخل الإنسان ، الفرد والمجموعة ، وهي التعبير الأسمى للعاطفة الشعبيه .
لقد أبدعت الشعوب الإنسانيه حكاياتها في فترة ما نسميه بالطفوله الإنسانيه ، أي في البدايات . وكانت العوامل الأساسية التي دفعت الإنسان إلى إيجاد تعبير منظم لمخاوفه وأمنياته هي في الأساس ظواهر الطبيعة المحيطة بحياته : البرق والرعد ، الهزة الأرضية ، المد والجزر ، الحريق والدمار ، الحرارة والقحط وغيرها . ففي تلك الفترات التي لم يستطع فيها الإنسان فهم ما يحيطه من تأثيرات مصيرية على حياته ، أخذت تجول في خواطره تساؤلات أساسية عن الحياة والطبيعة . وقد أدتّ هذه التساؤلات إلى حاجة ماسة للتعبير عنها ، ومن ثم محاولات لإيجاد الإجابات أو على الأقل بلورة صيغٍ تعبيريه يستطيع من خلالها تحرير مخاوفه وتحقيق رغباته وأماله . هذه الصيغ التعبيريه بمثابة الحكايا الخياليه أعطته ألواناً متعددة من الإجابات التي كان من شأنها التعويض عن جهله في معرفة ما يدور حوله من ظواهر تؤثر تأثيراً حاداً على تجربات حياته – وهذه الحكايه هي نوع من نتاج الروح والفكر الآولي \ الطفولي ، والتي شملت فيما بعد المخاوف الحياتيه الناجمه عن الصراع الأبدي بين القوانين الجماعيه وحرية الفرد ، والتي تتمثل بالأحاسيس البشريه من حب وغيره وكراهيه . وفي خضم جيشان العاطفه الفرديه على خلفية هذا الصراع ينمو خيال البشريه ويبدع خيالات لا حدود لها من الشخصيات والإحداث ، والتي تتجاوب مع رغبته وحاجته لإيجاد صيغٍ جماليه وفنيه لا حدود لها ، بعيدة كل البعد عن المنطق العادي الذي يتقزم في " فترة الطفولة " إزاء العاطفه والغريزة والخيال .
الحكاية الشعبيه إذن تحمل حكمة فطرية وتلبس أثواباً مختلفه من الخيالات التي لا تتقيد بزمان أو مكان وهذه الخيالات هي تعبير عن تجسيد غير منطقي لرغبات الإنسان وحلول غير منطقيه لتساؤلاته ولمخاوفه ولأمانيه . من هذا المنطق نفهم أن الإنسان منذ طفولة حضارته بحث عن معان ذات أهميه لحياته على هذا الكون . ولعل مسار هذا الفهم لا يكتمل في مرحلة واحدة بسرعه ، لأنه يحتاج إلى مراحل نموّ وتطور تسير رويداً رويداً وخطوة خطوة ، ومع هذا فإنه يدل على نضوج عاطفي وإدراكي لمجرد بحثه عن معنى عميق لحياته وفي كل مرحلة من هذه المراحل نحاول إيجاد جزءٍ ولو بسيط من هذه المعاني ، وفقاًُ لدرجات نضوج عواطفنا وإدراكنا الحاصل من جراء ذلك .
ومن هنا فإن حكمة الحياة التي يمتلكها الشعب في هذه المسيرة تختمر رويداً رويداً بين ثنايا الحكايات ولا تنطلق مرة واحدة نحو الخارج ، إلا بجزئيتها الآخذه بالنضوج والإكتمال .
ولعل أكثر ما يميز الخرافات والحكايا الشعبيه هو عرض المشاكل والقضايا الكيانيه والأساسيه لدى الإنسان وهي تعرضها ، كما أسلفنا سابقاً ، بشكل بسيط ومسطح وبصيغتها الأوليه . فالحكايا تبسط كل القضايا حتى وإن كانت معقدة تعقيد مستحيلاً وينطبق الأمر أيضاً على الشخصيات الواردة فيها . فالشخصيات واضحة كل الوضوح ولا تتعامل مع التفاصيل الصغيرة لتمتنع عن التعقيد وعن جعل الحبكة معقدة . إذن ، الحبكه هي أيضاً مسطحه وواضحة لكي لا تضفي على الشخصيات ميزات خاصة ومركبه .
أما من ناحية المضمون فالمواضيع والأفكار والأوضاع ترد وكأنها تعكس الواقع الذي يعيشه الإنسان بحسناته وسيئاته ، فالشر يتواجد في الحكايه تماماً كما يتواجد الخير ويتجسد بشخصيات أو بسلوكيات واضحه . وهذه الثنائيه هي التي تخلق قضية الصراع في الحكايه والسير نحو حلّها .

للشر قوة هائلة تتجسد في الشخصيات الظالمه والطاغيه والشريرة وهو يعبّر عن غريزة كامنة في داخل الإنسان وإزاء ذلك يبدو الخير ضعيفاً في البدايات ، لكن حضوره واجب وملزم وبصراعه مع الشر يبدو أنه سيخسر المعركه ، إلاّ أن حدثاً مفاجئاً يحدث دائماً ويجعله يتغلب على الشر في النهايه . إلا أن هذه النتيجه ليست هي التي تثير الشفقه والخوف لدى سامعي الحكايه ، بل ما يثير عواطفنا نحو النضوج والتحرر هو تضامننا مع الخير المظلوم في البداية وبمسيرته مع الشر .
التقاطب في الحكايا الشعبيه هو عامل أساسي في تركيبها . ولهذا لاتوجد ظروف مركبه من عوامل متناقضه ، ولا توجد شخصيات ذات بعدين مختلفين ولا تتشابك القيم والصفات الأخلاقيه المتناقضه . الشخصيه في الحكايه هي إما طيبه وإما شريرة ، إما حكيمه وإما ساذجه ، إما غنية وإما فقيره ، إما جميله وإما قبيحه ، إما مجتهده وإما كسوله ، إما قويه وإما ضعيفه وهكذا دواليك .
هذا بالطبع يسّهل على الإنسان البسيط المستهلك للحكايه عملية فهم واستيعاب الأمور.
هذه العوامل والظروف التي اوجدت الحكايا الشعبيه والخرافات ، وبنتها بهذه التركيبه المميزه هي التي جعلتها أكثر ما يلائم الأطفال في مجال الأدب وأنواعه .
إن ما يثير حقاً هو المدى الذي يتفاعل فيه الأطفال مع الحكايا الشعبيه . قلما نجد طفلاً أو مجموعة أطفال لا يتضامنون مع الخرافات والحكايا الشعبيه . أجيال كثيره من الأطفال تعود وتكرر العوده إلى هذه الحكايا لتجدد كيانها لأنهم يجدون فيها متنفساً لقضاياهم وحلولاً لمشاكلهم وإجابات لتساؤلاتهم . يجد الأطفال في هذه الحكايا أيضاً منبعاً من المتعة والتوتر والتسليه ويكتشفون فيها مصدراً للإكتفاء الذاتي مما يساعدهم على بناية حاجاتهم النفسيه والهويه الشخصيه . إن الطفل يستطيع بواسطة الحكايا أن يدخل إلى عالم مختلف عن عالمه الواقعي ، عالم من العجائب الذي يستطيع أن يحتوي على كل إمكانية ، وفيه فرص غير محدودة لحل كل مشكله وقضيه ، وخاصة تلك المشاكل التي لا تجد حلولاً في عالمه الواقعي . وهذا المدخل إلى ذلك العالم العجيب يستجيب إلى الخيال الهائل الذي يمتلكه الطفل ، والذي لا يستطيع الدخول إليه إلاّ من يملك جرأة لا حدّ لها ، تماماً كما يعرفها الطفل على عكس الكبار البالغين الذي يتحكم فيهم العقل والإدراك اللذين يحدّان من فرصته في التمتع والتجاوب في هذا العالم الرائع .

إن ما يحدث من عجائب وظروف غير منطقيه في عالم الحكايات هي أمور مقنعه جداً بالنسبة للطفل ، وهي تشبع خيال الأطفال بمدى اكتمالها الحدثي ومفاهيمها الواضحه وذلك بقوة سحرها الوارد في خيالات الأطفال .
إذن من هنا نلخص العوامل المشتركه بين توقعات الطفل وما تقدمه له هذه الحكايا الشعبيه والخرافات :

1. العمر الزمني :

الفترة التي نبتت وترعرعت فيها الحكايات هي فترة الطفوله الإنسانيه وهي فترة مطابقه لفترة الطفوله لدى الإنسان . وهي الفترة التي لا يملك فيها الإنسان تفكيراً كافياً يمكنه من فهم ما يدور حوله من ظواهر طبيعيه أو مشاكل كيانيه معقدة وفيها تسيطر الغريزه والعاطفه على العقل والإدراك .

2. إنعدام المنطق :

إنه بسيطرة الغريزه والعاطفه على الوعي والإدراك ينعدم المنطق العادي ويحتل مكانه الخيال الذي يولد اللامعقول من سحرٍ وعجائب وإمكانيات مفاجئه .

3. الصراع بين الخير والشر :

إن الصراع بين الخير والشر في فترة الطفولة يتجسد بقطبين مختلفين متناقضين وبشكل واضح وحاد وساذج ، لأنه بغياب المنطق والعقل المسيطر لا يمكن رؤية التناقضات بتشابك مركب ، بل يدركها العقل بشكل مسطح وساذج .

4. المجابهة المباشره :

الإنسان بفترة طفولة حضارته يشبه الطفل بمراحل نموّه الأولى من حيث مجابهة الصر اعات . فعندما لا يتمكن من التفكير والمنطق لإنعدام المعرفه الكافيه ، فإنه يجابه القضايا والمشاكل والصراعات بشكل مباشر وواضح وخاصه فيما يتعلق بالعواطف البشريه من حب وغيرة وكراهيه ومن خوف وقلق من الموت والحياة.

5. تحقيق الرغبات :

القصه الشعبيه لدى الأطفال كالحلم لدى الكبار . إنها مصدر الخيال للتنفيس والتحرر من القلق والخوف ، ومن خلالها يستطيع الطفل أن يحقق كل رغباته التي يستطيع تحقيقها في الحياة الواقعيه .

6. السيطرة على الوحدة والعزلة :

في عالم من التناقضات يجد نفسه الإنسان البدائي تماماً كما يجد الطفل نفسه في وحدة مقلقة وشبه قاتله . ولهذا تجد له الحكايا الشعبيه فرصة الروابط الحقيقيه والعلاقات الشخصيه الصادقه التي تعوضه عن وحدته وعزلته ، وتزرع لديه فرص الترابط مع مايحيطه حتى لو كانت هذه الأشياء أحياء أو نباتات أو جماد .

هذا وغيره من العوامل الحياتيه النفسيه والعاطفيه هي ما يربط الطفل بالحكايه الشعبيه والخرافه وربما أكثر من كل نوع آخر من الأنواع التي يحاول الكبار تزويد الطفل بها لصقل شخصيته بشكل سليم في مسيرة نحو مجابهة الحياة الواقعيه

من الخرافة إلى الحكايه الشعبيه

  

من الخرافة إلى الحكايه الشعبيه

لقد تعلمنا – من قصص ألف ليله وليلة ، وعن قصة الإطار التي شكلت العامود الفقري لهذه المجموعة المميزة ، أن الحكايه تنقذ من الموت وان الحب ينقذ من
اليأس .

شهرزاد هي آخر الفتيات العذارى التي بقيت في المدينة . لقد شاهدت وأحست بقلق والدها الوزير ، حيث كان يعرف رغم محاولته الهروب ، أن ابنته هي الأضحية التاليه ، التي ستقدم إلى الملك شهريار ليتزوجها لليلة واحدة ثم يقتلها .
وهذه الفتاة الذكيه والحكيمة كانت متأكدة أنها تستطيع التغلب على رغبة الملك في الانتقام من النساء ، وتستطيع أن تنقذ نفسها من الموت وذلك بواسطة الحكايه . وهكذا صار فبعد أن قصّت على الملك حكاية ألف ليله وليله بطريقة سرديه لم يسبق لها مثيل في مجال أسلوب الحبكه الروائيه المعروفه – حتى سيطرت على الأمور واقتلعت بذلك رغبة الانتقام لدى الملك ، ومن الناحية الأخرى استطاعت هذه القصة أن تعيد لدى الملك عاطفة الحب التي بواسطتها استطاع أن يقضي على اليأس والكراهيه .
إذن بدءاً من أساس القصة نشعر وكأنها قبل الدخول في التفاصيل ، بمقدورها أن تنقذنا من الموت ، ومن ثم تستطيع أن تلطف في أنفسنا غرائز الشر والنقمة والهدم .

هكذا يجب أن نبدأ بتحليل وقع القصه الشعبيه على نفوس السامعين ، أو القارئين في العصر الحديث ، ولهذا قبل الدخول في تفاصيل القصة الشعبية يجب أن نبحث عن هذه القاعدة التي تترسخ على أساسها العوامل الحبكيه والروائيه ، اللغويه والأسلوبيه.
وقصة علاء الدين كخرافه شعبيه تحمل هذه القاعدة والتي تغيب في كثير من الأحيان من الحكايه الشعبيه المألوفه .
والفرق الآخر بين الخرافه والحكايه الشعبيه هو أن الأولى مرتبطة بزمان ومكان مع أن هذين العاملين يكونان في أكثر الأحيان مجرد صلة واقعيه لأحداث القصة . ومع ارتباط الخرافه بالزمان والمكان فهي من ناحية أخرى كالحكايه الشعبيه تلائم كل زمان ومكان .
أما الحكايه الشعبيه فهي مجهولة الزمان والمكان لأنها منذ البدايه لا تحمل الهدف التقريري المتعلق بإيمان الإنسان الذي من شأنه تفخيم أبطال الخرافه أو القيم التي تحملها بالمصير الجماعي الذي من شأنه أن يرفع مجموعة أو يحط من كيانها . فبالرغم من تأثيرها على الجماعة فهي في الأساس تحكي عن الفرد وتتعامل مع إنسانيته .
ومن هنا نبدأ بالتعامل مع قصص الأديب نجيب نبواني من سلسلة الحكايات الشعبيه التي استمدها من التراث وأعاد إحياءها من منطلق تقديمها للأطفال بلغة وأسلوب يلائمان مرحلة الطفوله .

قصص الدكتور نجيب نبواني بين القديم والحديث

  

قصص الدكتور نجيب نبواني بين القديم والحديث

الإضافة إلى قصص الأطفال العديده التي يقدمها الدكتور بواني مترجمة ومؤلفة فهو يقوم بسلسلة واسعة من الكتابه للأطفال . بروح الأدب الشعبي . سلسلة الحكايا للأطفال هي قصص مستمدة من الحكايا الشعبيه ، المألوفه منها وغير المألوفه .
ومن الممكن تقسيم هذه السلسلة إلى ثلاث فئات تركز كل واحدة منها على موضوع معين ، أو على وضع معين يثير إهتمام الطفل ، كما أثار اهتمام الشعب من خلال تراثه الإنساني .
إلا أن هذا التقسيم قد ينتمي أحياناً إلى فئة من حيث المبنى وإلى فئه أخرى من حيث المضمون . ولتسهيل هذا التقسيم قمنا بطرح معادلة قياسية لنتمكن من تنظيم التصنيفات التي من شأنها مساعدة المعنيين في هذا المجال وسنطرحها لاحقاً .
وعلى سبيل المثال ، لا الحصر ، هنالك من القصص ما يهتم بمسألة الذكاء الفطري الذي يساعد الطفل على حل مشاكله بنفسه عندما يغيب الكبار في ظروف يرغب الطفل أن يكون فيها مستقلاً . وفي الوقت نفسه قد تكون هذه القصة أو الحكاية تتعامل مع الذكاء من حيث المضمون والعبرة فقد تنتمي إلى قصص الأحلام والخيالات ، أو أن تنتمي قصة مشابهة إلى الواقع اليومي .
وبالمقابل أي في الفئة ذاتها قد تركز القصة على موضوع الغباء الذي هو عكس الأول ولكنه ينتمي إلى الفئة ذاتها من حيث المبنى والحبكه والأسلوب .
والأمر ينطبق على جميع القصص والحكايا وإن إختلفت المضامين . لذا نجد أنه من الأفضل استعمال المقاييس البنيويه لتصنيف القصص والتي من شأنها أن تشمل أكبر عدد من القصص حتى وإن اختلفت مضامينها أو العبر التي تريد أن تقدمها للسامع أو القاريء .
ومن ناحية أخرى يجب ألا ننسى أن الحكايا الشعبيه القديمة أخذت بعين الاعتبار أن تحتوي على المقومات الأساسيه المقدمه للسامع وليس للقارئ . في حين أن إحياءها من جديد وتقديمها للأطفال في عصر القراءة فإنها تتنازل عن بعض مقوماتها البنيوية والأسلوب الشعبي لصالح مقومات جديدة تنتج عن القراءة وحتى المشاهدة في عصر التكنولوجيا المتطورة .

إذن علينا أن نلفت انتباهنا إلى هذه التغييرات وألا نركز على القصة الحديثة كأنها لا زالت خرافه أو حكايه شعبيه ، بل علينا إدراك أن البنيه التحتيه لها هي في الأساس شعبيه بينما جميع مركباتها هي حديثة العهد بما تتلائم مع العصر الحديث .
وهنا يدخل موضوع اللغة وأهميتها في القصة الحديثه ونحن نعرف أن القصه الشعبيه على أنواعها كانت تُقدم باللغة المحكيه أو بما هو أقرب إلى اللغة المحكيه ، ولم يكن لها هدف الإثراء اللغوي المكتوب بل التعبير الكلامي عن العواطف من مخاوف وامنيات .
فمن هذا المنطلق ، عندما نتناول القصه الشعبيه الحديثه على اللغه الفصحى أن تلفت الانتباه إلى ذاتها ، وهي هنا في صراع آخر بين اللغة الفصيحة الادبية وبين مقدور الأطفال إستيعاب هذه اللغة . فهل نحن ، إذن ، إزاء اكتشاف وخلق لغة جديدة ما بين المحكية والفصحى ؟ أم أننا أمام لغة عربيه فصيحة مبنيه من طبقات متعددة يستمد منها الطفل الطبقه الأولى المسطحة مع إهمال شحناتها التاريخيه وما عليها
أن تورده من أفكار وتجارب بعيدة المدى ؟!
هنالك دراسات متعددة في هذا المجال ، ولا نريد الدخول في تفاصيلها في هذا الإطار ولكننا رأينا من واجبنا لفت الانتباه إلى هذه القضايا

أما القصص التي سنتناولها هنا هي كما أسلفنا ، سلسلة الحكايات الشعبيه التي قدمها الدكتور نبواني بقالب للأطفال وقد صنفناها على ثلاث فئات كالتالي :

أ . المجموعه الأولى :

1. القاضي الصغير .
2. الديك الذكي .
3. ذكاء الشيخ .
4. الشرطي الذكي .

ب . المجموعه الثانيه :

1. الفقير الغبي .
2. الثعلب المغرور .
3. الملك العادل .
4 . خروف العيد .

ج . المجموعه الثالثه :

1. الدواء العجيب .
2. الحطاب والأفعى .

المجموعه الأولى مبنية على أساس حكايات شعبيه بسيطه ، ولكنها ذات رسالة في مجال التربية ، وهذا هو الدافع الذي جعل كاتبها يختارها .
إن الذكاء الفطري لدى الشعب البسيط هو الذكاء الفطري لدى الأطفال . ومن هذا المنطلق تتعامل هذه الحكايه مع قضيه الذكاء بغية شحذه لدى الطفل ونقله من القوة إلى الفعل . قصة " القاضي الصغير " هي قصة مميزه في هذا المجال ، وهي تمزج بين المعرفه العلميه والذكاء الفطري ، وتلك المعرفه تتلاءم مع أطفال العصر الحديث – وهذا هو الجديد في هذه القصة . فالجيل الجديد يتعلم في المؤسسات التربوية ويتزود بالمعلومات التي من المفروض أن تنفعه في حياته العمليه . نقول إن هذا هو الجديد لأن الحكايه الشعبيه في أصلها كان بطلها رجلاً طاعن السن وأرادت الحكايا أن تبرز خبرته العلميه من خلال ذكائه فقط .
إذن ، لو افترضنا أن أطفال هذه القصه يعرفون معلومتها العلمية من خلال دراستهم في المؤسسه التربويه ، فتلائم القصه لجيل مابين العاشره والثانية عشرة من العمر .

وتدخل في نفس الفئة قصة " الديك الذكي " كأمثولة . والأمثوله هي ظاهرة في الأدب الشعبي استمدها التراث العربي في الأساس من قصص " الف ليله وليله " وكليلة ودمنه " وقد يكون العكس أيضاً صحيحاً . وفي كلتا الحالتين إن أنسنة الحيوانات في القصة الشعبية أكثر ما يلائم الأطفال في أدبهم . ففي الأساس إن الحيوان أقرب إلى الطفل من البشر الكبار لأن أولئك يمثلون بالنسبة للصغار عالم الممنوعات التي تحد بقيمها وسلوكياتها من حرية الصغار . فالطفل يهرب من الكبار أو يتمرد عليهم وفي كلتا الحالتين يجد نفسه أقرب إلى عالم الحيوان والأحياء منه إلى مجتمعهم .
ومن ناحية أخرى فإن تقرب الأطفال إلى عالم الأحياء وتضامنهم معه ، ينبع من المقام المشترك الآخر بينهما وهو عالم الغرائز . فالطفل في مراحل نموه الأولى تدفعه الغرائز والأحاسيس تماماً كما يحدث في عالم الحيوانات وهو في هذه الحالة أقرب إلى الطبيعه من عالم الكبار الاجتماعي .
أما المجموعة الثانيه فهي مجموعة الوسط وهي تتعامل مع الأشياء الحياتيه العاديه في عالم الطفل ، والعامل الأساسي في هذه الفئه هو المباشرة والمجابهة . فالقصة تجابه الإنسان بالواقع دون أن تلطف له الأجواء من خلال أمثولة أو تمثيل .
قصة " خروف العيد " هي قصة مجابهة بين عالم الطفل العاطفي ومحبته للحيوان الأليف وبين عالم الكبار " وسنّة الحياة " .
وهكذا أيضاً بالنسبة " للفقير الغبي " والتي تتحدث عن هذا الغباء ليس كوجه آخر للذكاء، بل الغباء القاتل وبشكل شفاف . هو الوضع أيضاً بالنسبة " للثعلب المغرور".
أما الفئة الثالثه من هذه المجموعة فهي أكثر جمالية وأقرب إلى عالم الخرافه منها إلى عالم الحكاية . والطفل يحبّ هذا النوع من القصص لما تحتوي عليه من سحر وخيال يثريان عالم الطفل ويضيفان جمالية على القصة .
وسنقدم الأن المعادله القاسية التي تحتوي على أدوات علميه واضحة لتحليل وفهم هذا النوع من القصص ومدى تأثيرهما على إحتياجات الطفل .

الجزء الأول : القاعده الشعبيه :

1. النصائح الحكيمه ، حكمة الحياة ، اللعبة الخياليه .
2. القوى الناشطه ، القدرات غير الطبيعيه .
3. المخاوف الخفيه ، الأمنيات الخفيه .
4. النهايه السعيده ، الحلول العجيبه .

الجزء الثاني : الأسس البنيويه :

1. الزمان والمكان .
2. الشخصيات .
3. من المعقول الى اللامعقول .
4. الواعي واللاوعي .

الجزء الثالث : الأدب الشعبي والأطفال :

1. التعرف على الظواهر الطبيعيه .
2. التساؤل والأحجيه .
3. الثنائيه والحوار .
4. الصراع .
5. قانون التثليث .

قصتا " الدواء العجيب " و " الحطاب والأفعى " هي من نوع الخرافات التي ينطلق فيها الخيال على حساب المنطق ، والسحر المستحيل هو الذي يحتل مكان الواقع .
بواسطة " الدواء العجيب " يستطيع الفقير الشاب أن يصبح ملكاً ، لأنه يشفي داء الملكه بدواء الحياة ( سائل الحياة ) . إلا أن الكاتب في إعادة بناء الخرافه كقصة للأطفال تصرف بعض الشيء بمركبات القصة . فبدل أن يكون الأب الذي اقترب من الموت ، ويريد أن يترك ورثة لأولاده ، شيخاً فقيراً حكيماً ، جعله الكاتب ملكاً . إذن يتغير مجرى الأمور هنا ، فبدل التركيز على الأمل الذي يجب أن يتسلح به الفقير ليصبح غنياً أو حتى ملكاً فيما بعد ، فإن الكاتب يفضل هنا عاملاً آخر هو عالم السحر الذي يخبيء أحجية تتطلب من الطفل حكّ ذكائه والوصول إلى معرفة الإجابه على السؤال المطروح : لماذا صاحب الدواء هو الذي يتزوج من الملكه ؟
والإجابه هي لأن أخويه يستطيعان الإحتفاظ بما لديهما من ورثة أبيهما ، بينما صاحب السائل الشافي لم يعد يملك شيئاً بعد أن إستعملته الملكه لشفائها .
إذن المضمون هنا بسيط وبريء ولذا يجب بحث الأسلوب والمقومات الأخرى
للقصه :

1. الشيخ ( الملك ) الذي يريد أن يضمن مستقبل اولاده وهذه فكره سائده في الأدب الشعبي وتنطبق على كل زمان ومكان .
2. جمالية السحر والخيال : بساط الريح ( المركبه السحريه ) الذي يُعد من أجمل مقومات القصة الخياليه في كل العصور .
3. حكمة الحياة وأسرارها الموجودة في كتاب نادر لا يملكه إلاّ القلائل ; وهنا يملكه الشيخ الحكيم الذي يريد لأبنائه أن يرثوا هذه الحكمه منه . وقد تتمثل لدى الأطفال في العصر الحديث بالفضول والعلم الذي من شأنه تعليم أسرار الحياة لمن يمشي في سبيله .
إذن لو حاولنا تحليل القصة حسب المقاييس الواردة سايقاً فإن القاعدة الشعبية فيها واضحه :

1. حكمة الحياة والنصائح واردة من خلال اللعبه الخياليه التي تنتهجها القصة.
2. القوى الناشطه في القصة هي بساط الريح ، كتاب أسرار الحياة والدواء العجيب . إنها ثلاثه وتتمشى حسب المقومات البنيويه أيضاً لهذه القصه .
3. الأمنيات الخفية تتحقق هنا حسب الحلول العجيبه وحسب النهايه السعيدة وهي تكشف عن مخاوف مخفيه في نفوس الناس وخاصه لدى الوالد العجوز الذي يقلق لمستقبل اولاده .

وهكذا نستطيع أن نسير حسب نهج المعادله والمقاييس المذكورة إلى نهاية القصة .
وإلى القصص الأخرى .

المصادر :

1. בטלהיים , ברונו . ( 1994 ) קסמן של אגדות , הוצאת רשפים ,
תל–אביב.
2. כהן , אדיר . ( 1990 ) סיפור הנפש , הוצאת אח בע"מ . קרית ביאליק .
3. קובובי , צפורה . ( תשנ"ג ) ספרות ראפיה , הוצאת מאגנס , יר ושלים .
4. רות , מרים . ( 1977 ) ספרות לגיל הרך , הוצאת אוצר המורה ,
תל-אביב .
5. يحيى ، رافع . ( 2001 ) تأثير الف ليله وليله على أدب الأطفال ، الكليه العربيه ، حيفا .
6. العنتيل ، فوزي . ( 1983 ) عالم الحكايه الشعبيه ، دار المريخ ، الرياض .

خطوط اساسية في الكتابة عند سليم خوري وعبد اللطيف ناصر

  

نعيم عرايدي :

خطوط اساسية في الكتابة عند سليم خوري وعبد اللطيف ناصر

تشهد الحركة الثقافية العربية في اسرائيل نشاطا لا بأس به في ادب الاطفال : الاهتمام بالطفل وثقافته ، الوعي الادبي والكتابة للاطفال .
ليس هناك مجال للشك ان لمركز ادب الاطفال العربي الدور الكبير في هذا المجال .
منذ اقامته يرعى المركز الاهتمام المكثف في هذا المجال على المستويين العلمي والابداعي . لقد قام المركز منذ نشأته باجراء لقاءات وورشات عمل واصدار كتب اصلية ومترجمة وحاول بنشر الوعي في هذا المجال .
فعلى الرغم من اصدار عدد من الاعمال الادبية للاطفال وعلى الرغم من النشاطات المكثفة التي يشهدها الوسط العربي في البلاد فاننا لا ننسى ان الكتابة العربية للاطفال في بلادنا بدأت منذ عقود بالرغم من انها كانت في بدايتها قليلة ومسطحه – الا انها كانت طلائعية وزرعت بذورا هي التي نشهد سنابله اليوم .

1 - من ادباء الاطفال العرب الطلائعين والذين فارقوا الحياة : عبد اللطيف ناصر وسليم خوري ، وها نحن نقدم خطوطاً أساسيه لكتبتهما للأطفال.

* عبد اللطيف ناصر – الكتابة للاطفال :

اصدر عبد اللطيف ناصر خمس مجموعات قصصية للاطفال كانت بدايتها مجموعة " انا لا " الصادرة عام 1982 في الناصرة ، وقد نشر عشرات القصص في صحيفة الاتحاد جمع بعضها في المجموعات المذكورة وبقي البعض الآخر دون تجميع .
من الممكن تصنيف كتابة عبد اللطيف ناصر للاطفال من ناحية المضمون والمواضيع الى سبعة انواع رئيسية ممكن تصنيفها الى انواع ثانوية اخرى .

لقد كتب في الانواع التالية :

1- قصص سياسية واجتماعية .
2- قصص وجدانية ذاتية .
3- قصص تعليمية .
4- قصص رمزية ( الحيوانات والطيور ) .
5- قصص من حياة المدرسة .
6- قصص تجريدية .
7- قصص عن الجماد .

تشمل القصص السياسية الاجتماعية المشاكل القومية والوطنية كما وتشمل قصصا عن الاحداث والمناسبات حيث تتعدى حياة الطفل العربي في البلاد لتصل الى حياة الطفل الفلسطيني في فترة الانتفاضة ثم تتحول الى انسانية عالمية لتحكي عن الاطفال ابناء العمال في اعيادهم وفي مشاكلهم الاجتماعية .
كما وتتفرع القصص السياسية الى قصص تاريخية تعلم وتخلد شخصيات من الماضي القريب والبعيد .
اما قصصه الرمزية فتحتل مكانة لا بأس بها من مجموع قصصه ، وما يميز هذه القصص الرمزية أنها تستعمل الطير والحيوان كشخصيات للقصة ليس حسب الاسلوب المتبع في هذا المجال وهو انسنة الحيوان بل يجعل من الحيوان والطير رمزا للحياة الواقعية خاصة في امور لم يرد لها المباشرة خوفا من التسطيح بل لدلالةهي ما بعد الرمز .
وعبد اللطيف ناصر كمعلم عمل في سلك التربية والتعليم لم ينسَ حياة المدرسة ومشاكل الاطفال المدرسية .
عبد اللطيف ناصر كما اسلفنا كرس معظم كتاباته للمواضيع السياسية والوطنية وقد يكون ذلك الركن الاضعف في كتاباته لكنه لم يهمل الكتابة الوجدانية والذاتية فقد كتب في هذا المجال قصصا وان كانت قليلة فهي مميزة وتتسم برونق خاص في لغتها واسلوبها .

عبد اللطيف ناصر ( 1944 – 1990 )
وإنتاجه الادبي للاطفال

ولد الكاتب عبد اللطيف ناصر في قرية الطيرة ، المثلث ، عام 1944 ، ودرس في ابتدائية الطيرة ثم في المدرسة الثانوية فيها ، وحصل على درجة بي . اي .(B.A) من الجامعة العبرية في القدس في موضوعي اللغة العبرية وتاريخ الشرق الاوسط الحديث . وفي سنة 1966 انتقل الى مدينة الناصرة حيث أقام وعمل معلماً لموضوع اللغة العبرية في المدرسة " تراسنطة ، وهو نشيط في حياة المدينة الثقافية والاجتماعية والسياسية . توفي عبد اللطيف ناصر عام 1990 .

تراجم :

1. شموئيل موريه – محمود عباسي : تراجم وآثار في الادب العربي في اسرائيل . 1948 – 1986 . شفاعمرو ، 1987 . ص.231-232 .
2. فرهود ، كمال قاسم ( جمع وإعداد ) : موسوعة اعلام الادب العربي في العصر الحديث ، شفاعمرو ، 1994 . الجزء السادس ، ص. 504 -505 .
3. مجلي ، نظير : عبد اللطيف ناصر – الكاتب ، المربي ، الإنسان . 1991 . إصدار اللجنة الشعبية لتأبين عبد اللطيف ناصر .

كتب أطفال :

- أنا لا ( وقصص أخرى : الذئب الذي كشر عن أنيابه ، الملك القزم ، الرب الواحد ) . مجموعة قصص . 1982 . الناصرة : مطبعة فراس .
- صوص فادي 1981 . نشر ايضاً في الاتحاد ، 81-1-23 .
- القاق والبلبل والدوري ( وقصص أخرى : صرخة ، الخيمة السوداء : الحصان والوتد ، التناقض ، مضافة خربوش ) 1983 . الناصرة : مطبعة الجليل . عن الكتاب : القاق والبلبل والدوري- قصص للاطفال بقلم : عبد اللطيف ناصر – الاتحاد 83-3-11.
- قشرة البرتقال الطائشة ( وقصص أخرى : الحمار العبيط ، آيات على الشاطئ ، وانتصر الجرار ... ولكن ... ) مجموعة قصص . 1984 . الناصرة : مطبعة الجليل .
- ملكة جمال الزهور وقصص أخرى ( شجرة التين الصابرة ، سمور يدافع عن مكانه ، فأر الحقل المغرور ). 1985 . الناصرة : المطبعة الشعبية . صورة الغلاف ، الرسومات والخطوط الداخلية بريشة – شريف واكد .

حكايات وقصص نشرت في صحيفة " الاتحاد " :

- الابهام الشقية \ الاتحاد ، 86-2-3، ركن الاطفال .
- أبو العدس الشهيد الحي \ الاتحاد ، 12\5\86 ، ركن الاطفال .
- أوهام كوكو \ الاتحاد ، 83-11-3، حكاية الاولاد ..والكبار !
- بابا نويل \ الاتحاد ، 86-1-6، ركن الاطفال .
- الباص أبو علبة \ الإتحاد ، 89-5-23، ركن الاطفال .
- البطيخ – نبات وطني \ 89-1-؟ ، ركن الاطفال .
- التضحية \ الاتحاد 83- 8-17 . قصة .
- ثمن الآدمي \ الاتحاد ، ؟؟، ركن الاطفال . ( نهاية الحكاية ناقصة ) .
- جاء الصيف يا أولاد \ الاتحاد ، 86-6-25. حوارية ، ركن الاطفال .
- الحمار العبيط \ الاتحاد ( ؟؟ )
- حوارية الطفل والعلم \ الاتحاد ، 86-4-16.
- الخيمة السوداء او ( الحصان والوتد ) \ الاتحاد ، 89-5-21 ، قصة للاطفال.
- الديك الذي ايقظ الشمس \ الاتحاد ، 84-9-14 .
- الذئب الذي كشر عن أنيابه \ الاتحاد 81-5-1، قصة للاطفال . في مجموعة قصص " آنا لا " .
- ذيل الفأر \ الاتحاد ، 86-1-8،ركن الاطفال .
- سأحمل العلم الأحمر \ الاتحاد ،87-5-13، ركن الاطفال .
- " السيسو " \ الاتحاد ، 86-12-26، ركن الاطفال .
- الشجرة المقتلعة تستبسل \ الاتحاد ، 88-7-19 ، ركن الاطفال .
- شجرة التين الصابرة \ الاتحاد ،84-6-13 ، ركن الاطفال .
- الشيخ الثائر \ الاتحاد 84-1- 6 . قصة للأطفال ..والكبار .
- الشيطان والقمر \ الاتحاد ، 84-10-12 ، قصة للاطفال ( عن القصص الشعبية بتصرف ) .
- صوص فادي \ الاتحاد ، 81-1-23 ، حكاية للاطفال .
- العجلة الشاردة \ الاتحاد ، 89-9-26 ، ركن الاطفال.
- العجوز والحرامي \ الاتحاد ، 84-4-2، ركن الاطفال .
- على دلعونا \ الاتحاد ، 88-8-30، ركن الاطفال .
- عيش وملح \ الاتحاد ، 86-9-3 ، ركن الاطفال .
- الغيرة \ " من القصص الشعبية " \ الاتحاد ، 89-2-7، ركن الاطفال .
- فأر الحقل المغرور \ الاتحاد 84-5-25، قصة للكبار وللصغار .
- قاق – القاق والبلبل والدوري \ الاتحاد -83-5-4، حكاية للاطفال .
- كرة القماش \ الاتحاد، 85-3-7، ركن الاطفال .
- الكلب السمور يدافع عن البيت \ الاتحاد ، 84-5-4، حكاية للاطفال .
- الكيس \ الاتحاد ، 85-11-6 ، قصة .
- لاجيء في ارضه \ الاتحاد ، 82-4-23، الاتحاد الثقافي – الاتحاد الادبي، حكاية للاطفال .
- لعبة \الرسم \ الاتحاد ، 86-7-30 ، ركن الاطفال .
- المعسكرات \ الاتحاد ، 86-11-12، ركن الاطفال .
- النمور \ الاتحاد ، 87-9-9، ركن الاطفال .
- النهر \ الاتحاد ، 84-10-؟ ، ركن الاطفال .
- هدية من القلب \ الاتحاد ، ركن الاطفال .
- وطن في الغربة \ الاتحاد ، 88-2-8، ركن الاطفال .

مقالات عن إنتاجه الادبي للاطفال :

- محاولة في كتابة قصة للاطفال – عبد اللطيف ناصر في مجموعته الثانية : " أنا لا" . الاتحاد ، 82-4-16 .
- ناصر ، عبد اللطيف : القرار – كتابة قصة للاطفال . مطالعات في أدب الاطفال ، 15-16-1987 ، ص. 143-154 .

سليم خوري – خطوط اساسية في كتابته :

  

سليم خوري – خطوط اساسية في كتابته :

بدأسليم خوري كتاباته للاطفال قبل ثلاثة عقود لكن كتاباته كانت موجهة للاولاد وليس للاطفال في السنين المبكرة .

نشر قصصه ومسرحياته بشكل خاص في مجلة " لاولادنا" ، وقد تناولت قصصه المشاكل الوجدانية والمشاكل الاجتماعية فان اكثر قصصه تدور في المدرسة او حولها . وفي بعض الاحيان يشغر القارئ بنوعين من الكتابة عند سليم خوري ، النوع الاول : الكتابة عن الصغار ، والنوع الثاني الكتابة للصغار . الفرق بين النوع الاول والنوع الثاني هو موقف الكاتب في القصة .

ففي الاول يقف الكاتب في مركز المربي والمعلم فتكون قصصه هادفة تحمل قيمة تربوية اجتماعية بينما يقف في النوع الثاني في مركز الشخصية المندمجة في احداث القصة ، وينقسم هذا الآخر الى قسمين :
الاول : يتدخل الكاتب في احداث القصة كشخصية من شخصياتها .
الثاني : يقف موقف المشاهد الذي يرى الاحداث ويندمج فيها دون ان يتدخل في حيثياتها .
ان اكثر قصص سليم خوري كما اسلفنا تقريرية لها طابع القيم التربوية التي تريد ان تعلم الولد مجابهة الحياة في اطار القيم الاجتماعية في الميحيطين المدرسي والبيتي ولا يوجد فاصل بينهما . فالمدرسة كما تتجلى في كتاباته هي صورة مصغرة للمجتمع بقيمه وعاداته التي يجب التصرف والسلوك حسبهما .
ومن ناحية الاسلوب يمكن التمييز في كتابات سليم خوري بين الاتجاهين : الاتجاه الاول يعتمد على الشخصية والاتجاه الثاني يعتمد على الحدث . وفي كلا الاتجاهين توجد معالجة لقيمة اجتماعية او لسلوك تربوي .

ان ما يميز كتابة سليم خوري للاولاد ايضا هو تلك المفاجأة بين الواقعية والذاكرة المجردة . فمن ناحية اولى يمكن ان نعتبر ان سليم خوري هو من رواد الكتابة الواقعية في العالم العربي الذي لم يعتمد الخرافة الشعبية والتراث في قصصه .

ومن ناحية اخرى فان الذاكرة الشعبية هي جزء لا يتجزأ من قصصه – وتتجلى هذه الذاكرة بالقيم الاجتماعية العربية وتحمل القصص في نهايتها او بين السطور الدرس الملقن والمغزى الاجتماعي الذي هو جزء لا يتجزأ من القصص الشعبية والتراث .

وفي قصص سليم خوري وبشكل خاص في قصصه التي يقف فيها القاص موقف المتدخل في احداث القصة ذكريات وحنين الى الماضي . حيث تحكي هذه القصص عن سليم خوري الولد وكل ولد مر بالتجربة المشابهة عندما كان تلميذا في المدرسة .
هنالك ايضا محاولة في قصصه لطرح ومعالجة المشاكل الاجتماعية التي يمر بها المجتمع العربي على مستوى الكبار حيث ينقلها بشخصيات الصغار – بشكل خاص تبرز في هذا المجال الفوارق الدينية والطبقية التي تسود في المجتمع العربي .

من المواضيع الاخرى التي يطرحها سليم خوري في كتاباته ، المشاكل الوجدانية التي يعاني منها الطالب المدرسي بسبب الضغوط المدرسية : التعليمية منها التربوية وبشكل خاص معاملة المعلمين للطلاب وما ينتج عن ذلك من صراعات نفسية ووجدانية .
تجدر الاشارة الى ان المحرر في جريدة " لاولادنا " التي نشرت فيها قصصه ، لم يقم بتدقيق اللغة وتصحيح الاخطاء النحوية والصرفية والمطبعية .

هذه خطوط رئيسية لكتابة عبد اللطيف ناصر وسليم خوري استخلصناها من البحث الطويل الذي نحن بصدد دراسته .

سليم خوري ( 1934 – 1991 )
وانتاجه الادبي للاطفال

ولد الكاتب المسرحي والقصصي سليم خوري عام 1934 في قرية البروة . انتقل مع عائلته الى البقيعة عام 1948 ، وتابع دراسته الابتدائية في مدرستي الرامة وكفر ياسيف . ثم أنهى المدرسة الثانوية في كفر ياسيف والتحق بجامعة حيفا . نال شهادة التربية الخاصة من الجامعة العبرية في أورشليم . وفي عام 1962 انتقل مع عائلته الى مدينة حيفا وعمل معلماً للغة العربية في مدرسة " المتنبي " . أشغل منصب سكرتير تحرير مجلة الاطفال " لاولادنا " ( 1966 – 1969 ) ، ثم استقال من عمله في المجلة ليتفرغ لعمله ودراساته . في فترة 1969 – 1985 عمل معلماً للغة العربية في مدارس مختلفة ، وفي 1985 خرج للتقاعد المبكر بعد 31 سنة من الخدمة في سلك التعليم وتفرغ للدراسة والكتابة .

يعتبر الاستاذ سليم خوري طلائعياً في مجال القصص للأطفال بين عرب إسرائيل ، وربما بين كتاب العرب بشكل عام ، إذ لعله أول من كتب الاقصوصة الواقعية دون الاعتماد على التراث القديم . وقد كتب الكثير من القصص القصيرة والمسرحيات والروايات الواقعية للقراء على مختلف أعمارهم . توفي سليم خوري عام 1991 .

تراجم :

1. موريه ، شموئيل – عباسي محمود : تراجم وأثار في الادب العربي في إسرائيل . 1948 – 1986 . شفاعمرو ، 1987 . ص 76-79 .

2 . فرهود ، كمال قاسم ( جمع وإعداد ) : موسوعة اعلام الادب العربي في العصر الحديث ، شفاعمرو ، 1994 . الجزء الرابع ، ص. 361- 363 .

كتب أطفال :

الى عالم النجوم : تل أبيب : دار النشر العربي ، 1971 . قصة طويلة للاولاد .
حنين . حيفا : بئير اوفست ، 1970 ، 1971 ، ثلاث مسرحيات للاولاد .
قلوب بيضاء : تل – أبيب : دار النشر العربي ، 1969 . مجموعة قصص للاطفال .

قصص وحكايات نشرت في مجلة الاطفال " لاولادنا " :

- أشياء صلبة ، اليوم لاولادنا ، السنة 8 ، العدد3 ، 67-11-7 .
- بائع الارتيك ، لاولادنا ، 1 ، 65-10-15 .
- حبيب ، اليوم لاولادنا . السنة8 ، العدد 15 ، 67-6-15 .
- رزمة الهدايا ، اليوم لاولادنا ، السنة 8 ، العدد11 ، 68-3-20 .
- طيب مثلك ، اليوم لاولادنا ، السنة 8 ، العدد6 ، 68-1-1 .
- قصاص ، اليوم لاولادنا ، السنة 8 ، العدد4 ، 67-11-20 .
- قلوب بيضاء ، اليوم لاولادنا ، السنة 8 ، العدد 7 ، 68-2-1 .
- لوحة فنية ، اليوم لاولادنا ، السنة 7 ، العدد6 ، 67-1-15
- مفتش غريب ، اليوم لاولادنا ، السنة 7 ، العدد4 ، 65-11-30 .

المصادر

أ. مصادر عامه :

1. ابو السعد، عبد الرؤوف . 1994. الطفل وعالمه الادبي ، دار المعارف ،القاهرة .

2. أبو معال، عبد الفتاح . 1984 . ادب الاطفال ، دار المشرق .

3. أحمد ناصر . 1998 . القصص الفلسطيني المكتوب للأطفال ، دائرة الثقافة .م.ت

4. اسماعيل ، عز الدين . 1978 . الادب وفنونه ، دار الفكر العربي ، القاهرة

5. بشور، نجلاء .1990 . ادب الاطفال الفلسطيني،الموسوعة الفلسطينيه ، بيروت.

6. بيكار، حسن .1970. كتب الاطفال واغلفتها ، مجلة الكتاب العربي، ص12-17.

7. جعفر، عبد الرازق . 1992 . الطفل والكتاب ، بيروت ، دار الجيل .

8. الحديدي ، علي . 1991 . في ادب الاطفال ، القاهرة مكتبة الانجلو مصريه .

9. حسين ، كمال الدين . فن رواية القصة وروايتها للأطفال ، الدار المصرية اللبنانيه . القاهره .

10. داوود، أنس . 1993 . ادب الاطفال – في البدء كانت الأنشودة . القاهرة ، دار المعارف .

11 . دياب، مفتاح . 1985 . مقدمه في ادب الاطفال ، المنشأه العامه ، طرابلس .

12. زلط، أحمد . 1991 . ادب الطفوله ، الشركه العربيه للتوزيع ، القاهرة .

13 . شبلول، أحمد . 1996 . جماليات النص الشعري للأطفال ، الشركه العربيه للتوزيع ، القاهرة .

14 . شحاته ، حسن . 1989 . قراءات الاطفال ، الدار المصريه اللبنانيه ، القاهرة .

15 . شحاته ، حسن . 1991. ادب الطفل العربي ، الدار المصريه اللبنانيه ، القاهرة.

16 . شهوان ، نجلاء. 1991 . أدب الاطفال القصصي ، صحيفة الفجر المقدسيه ، القدس .

17 . عبد الكافي، اسماعيل . 1997 . الادب الاسلامي للأطفال ، دار الفكر العربي ، القاهرة .

18 . كنعان، أحمد علي . 1995 . ادب الاطفال والقيم التربوية . المطبعة العلمية ، دمشق .

19 . محفوظ، سهير . 1991 . تبسيط أدب الكبار ، الهيئة المصريه العامه ، القاهرة.

20 . نجيب ، أحمد . 1994 . دراسات في ادب الاطفال ، دار الكتاب ، القاهرة .

21 . نجيب، أحمد . 1986 . فن الكتابه للأطفال ، دار إقرأ ، بيروت .

22 . يوسف، عبد التواب . 1985 . كتب الاطفال في عالمنا المعاصر . دار الكتاب ، القاهرة .

23 . يوسف، عبد التواب . 1992 . الطفل العربي والادب الشعبي ، الدار المصريه اللبنانيه . القاهرة .

ب . مصادر تحليليه في التخصص :

1. ابو رضا ، سعد 1993 . النص الادبي للأطفال . دار النشر ، عمان

2. إدلبي ، ألفه . 1973 . المرأه في ألف ليله وليله ( الموقف الادبي ) 4 -5 .

3. البدوي ، عبد الغني . ( ؟ ) . كامل كيلاني الرائد الاول لادب الاطفال ، الدار القوميه ، القاهرة .

4. برونو ، بلتهايم . 1985 . التحليل النفسي للحكايات الشعبيه. دار المروج ، بيروت .

5. جعفر ، عبد الرازق . 1992 . الطفل والشعر ، دار الجيل ، بيروت .

6. الحمداني ، حميد . 1993. بنية النص السردي ،المركز الثقافي العربي ، بيروت .

7. زلط ، أحمد . 1994 . ادب الطفوله بين كامل كيلاني ومحمد الهراولي ، دار المعارف . القاهرة .

8. شبلول ، أحمد . 1996 . جماليات النص الشعري للأطفال . الشركة العربية ، القاهرة .

9. شكر ، هادي . 1985 . الحيوان في الادب العربي ، ج11 ، مكتبة النهضة العربيه .

10. العاصي ، عربي . 1979 . الحيوان في قصص الأطفال ، الموقف الادبي ، 101 ، ايلول 79 .

11. العنتيل ، فوزي . 1983 . عالم الحكايه الشعبيه . دار المريخ ، الرياض .

12. مصطفى ، فهيم . 1994 . الطفل والقراءه ، الدار المصريه اللبنانيه، القاهرة .

13. يعقوب ، غسان . 1994 . تطور الطفل عند بياجيه ، الشركه العالميه للكتاب . بيروت .

14. يوسف ، عبد التواب . 1992 . الطفل العربي والادب الشعبي . الدار المصريه اللبنانيه . القاهرة .

البنى التحتيه المساعده لفهم ادب الأطفال

  

د. نعيم عرايدي .

البنى التحتيه المساعده لفهم ادب الأطفال

عرف الادب منذ قديم الزمان بإمكانياته المتنوعه كوسيلة أساسيه مساعده في تهذيب الصحة النفسية . وقد تساعد به المربون الأوائل عن طريق سرد القصص الشعبيه لغايات متعددة . وقد زاد الاهتمام به في هذا المجال في العصر الحديث بعد اكتشاف نظريات علم النفس التحليلي التي أوجدت طرق عديده لتطبيق مبادئ علمية نستطيع بواسطتها توجيه المسارات النفسية التي تتفاعل مع الإنتاج الأدبي اثناء قراءة القصص . وبناء على ذلك علينا كمربين ومعلمين توخي الحذر التام والدقيق لفصل العلاج النفسي عن إمكانياتنا العامة الادبيه والتربويه والتي نحاول من خلالها الوصول إلى الأهداف ذاتها ، ولكن عن طريق إثارة وتنشيط الاتصال بالانتاج الادبي. فليس لدينا أي طموح لنحلّ محلّ الأخصائيين العلاجيين ، ولا نستطيع ذلك .

إذن هدفنا الأساسي هو إيجاد وسائل الاتصال الطبيعيه والعميقه بين الطفل والإنتاج الادبي والعمل على إثارتها بشكل صحيح ، لكي نستطيع الوصول إلى طريقة القراءه المثلى التي شأنها تهذيب الصحه النفسيه لدى الطفل .
إن استعمال حصص المطالعه وتشجيعها لدى الأطفال كمسار للتأثير المباشر على نفسية الطفل ، يعود علينا بفوائد جمة لأن القصة تثير لدى الطفل تعاطفاً وتماثلاً بسبب الإثارة العاطفيه التي تسببها قراءة القصة .

إن الشخصيات الفاعلة في الإنتاج الادبي والأوضاع الحسية والعاطفيه تملأ العالم الداخلي للاطفال ، ولها قوة حاسمة في مراحل تطوره ونموه العقلي والعاطفي . لذا فإن الإنتاج الادبي الذي يتصل مباشرة وبشكل مؤثر على نفس الطفل ، يقرب القارئ بشكل ملموس إلى الطبقات الخفيه والمبطنه داخل نفسه ، ومن هنا فإننا حين نستعمل القصص الصحيحه والملائمة للطفل ، قد نستطيع تنظيم أحاسيسه بشكل إيجابي يساعده على بناء شخصيه قويه ، مستقله ومعافاة .
ومن ناحية إخرى يجب ألا ننسى أن الانتاج الادبي الجدي لم يكتب لأجل ذلك . فالكاتب لا يكتب لهدف تربوي بالمعنى المألوف ولا لهدف تعليمي مباشر . فمنذ البدايه وقبل اكتشاف وسائل التربيه الحديثة وقبل دخول علم النفس التحليلي الحديث في هذه المجالات ، فإن الأدب يسعى منذ قديم الزمان لتحقيق أهداف تتعدى الاهداف التربويه والتعليميه التقليديه والمألوفه . فالانتاج الادبي مثله مثل باقي الفنون الجميله لا يلتزم بما يتعدى ذاته وبما يتعدى قيمته الجماليه الادبيه . بينما يلتزم المعلمون والمربون بما قد يؤثر به الانتاج الادبي على الفرد والمجتمع ، لكونهم يحملون رسالة وأهداف التربيه التي أرسلهم من أجلها المحتمع . مع العلم أن المعلم يعرف منذ العهود القديمه مدى تأثير الادب على الإنسان ، وذلك عن طريق الوسائل الفنيه التي لا تخضع لأية اعتبارات خارج النص ، وفي ذلك قوتها وعن طريق هذه الوسائل الخارجه عن القوانين المألوفه والمنطقيه ينجح النص الادبي بإثارة العواطف والمخاوف والأماني لدى القراء ، والتي كانت قبل ذلك مبطنه وخفيه في " جيوب اللاوعي " البشري .

ومن الجدير بالذكر أن للنص الأدبي وجها آخر من حيث التأثير على القارئ أو المستمع . فبقدر ما يمكن أن يكون إيجابياً ويستطيع تنظيم العواطف البشريه في مساراة معقوله ، فإنه قد يفعل العكس ويؤثر بشكل سلبي على نفسية الطفل لذا فإن هدفنا أيضاً هو مساعدة المعلم ، فيما إذا لو لم يستطع أن يوجه التأثير إلى مساراة إيجابيه ، فإننا نساعده هنا على امتلاك القدرات والادوات التي تمكنه في منع التأثير السلبي على نفسية الطفل .

إن الهدف الأساسي من القراءه المنظمة للإنتاج الادبي هو التركيز على الإصغاء العميق للأحاسيس والعواطف النفسية داخل الطفل والتي سترشدنا إلى خفايا نفسه من تجارب مبطنة ، مما يؤدي إلى تهذيب إصغاء خاص لدى الطفل لما يدور في نفسه وفي عقله المبطن من أحاسيس جياشه . وجدير بالتنوير هنا أن التعامل مع هذه الأمور يجب أن يكون في منتهى الحذر ، لأن العواطف البشريه وبشكل خاص لدى الطفل حساسة ومعقدة بشكل عام ، وحين تكون مبطنه فإنها أبعد ما يكون عن نظام منطق الكبار . لذلك إن عملية الإصغاء يجب تسييرها حسب الفهم الحسي الداخلي والمبني على عوامل عاطفيه ذاتيه . هذا ما يجعلنا ندرك منذ البداية أن الوصول إلى جميع خفايا العواطف أمر مستحيل ، ووظيفتنا هنا هي فتح مسارات اتصال جزئيه بين هذه التجارب النفسيه المبطنه لدى الطفل .

إن مرور الطفل بمراحل نموه الأولى تمكنه من تطوير إدراكه العقلي وتلزمه بتقويته على حساب إدراكه الحسي ، وهذا ما يؤدي إلى صدامات ما بين الادراك لعالم الكبار الذي يأخذ بالتأقلم معه ، وبين عالم الحس والغريزه المشبع به منذ ولادته ، ونحن بدورنا كمربين ومعلمين يجب ان نسلم بهذا المسار الاجتماعي الطبيعي وعليه فإن عملية إبطان الأحاسيس وردود الفعل الرافضه والمتمردة لدى الطفل هي أمر طبيعي ومعلوم لدينا ، ولذا علينا أن ندرك أهمية الحياة الداخليه النفسيه لدى الطفل وقبولها كجزء لا يتجزأ من حياتنا الاجتماعيه العامة . هذا ما يلزمنا عدم تقييم هذه الأحاسيس وعدم الحكم عليها بالموازين الأخلاقيه العامه . يجب ألا نحكم على الطفل من خلال أحاسيسه أو لسببها . فهذه الأحاسيس المتناقضه لدى الطفل تتغير وتتبدل باستمرار ، وعليه فإننا ملومون بتعقب طرق التعبير عنها وتجسيدها في الواقع .

من هنا فإن الإنتاج الادبي الذي يلتقيه الطفل هو خير وسيله للتعامل مع هذه التناقضات دون الحكم عليها بموازين الاخلاق المألوفه . إن طريقة الإتصال بين الطفل والانتاج الادبي تحدث لديه انفعالات عن طريق التضامن مع شخصيات القصة واحداثها دون أن يشعر بالإحباط أو الخوف الذاتي – لأنه يشعر من ناحية ادراكيه واعيه ببراءته وأن ما يحدث فهو في القصه وليس في واقعه ، ومع ذلك فإن هذا التماثل والتعاطف يحرك ما في خفايا نفسه كل ما هو مبطن ويتلائم مع احداث القصة ويخرجه إلى مسارات إتصاليه تتنظم بشكل يمكن الطفل من التطهير الذاتي
( كاترزيس ) .
إن تعامل النص الادبي بالتعبير عن احاسيس الإنسان ، مخاوفه والتناقضات التي يعيشها مع بيئته ، تتجسد بقوالب بنيويه ذات ابعاد متعددة وبلغة مجازيه حسيه تحررها من الحدود والقيود المنطقية ، وتفتح لنا مجالات واسعه للتأقلم معها .

لسنا هنا في صدد تحديد الإمكانيات المتعدده لعواطف الطفل وأحاسيسه بتصادمها مع القوانين الاجتماعيه والمقاييس الاخلاقيه التي يفرضها المجتمع على المحيط الذي ينمو فيه الطفل . ولكننا سنذكر هنا بعض العواطف والأوضاع النفسيه المعروفه لدى المربين والتي يمر بها الأطفال : الغيره ، الخوف ، الحلم ، الأنانيه ، الحريه الطبيعيه والعلاقات بالآخرين .

إن كل حالة من الحالات النفسيه العاطفيه المذكورة قد تتشعب بشكل لا نهائي وتتجسد في الانتاج الادبي كما في الحياة أو في أوضاع نفسيه متعددة . لذا فإن لغة الادب المجازيه خير تعبير عن هذا التشعب والامكانيات اللانهائيه . فإن الغيره على سبيل المثال ممكن أن تحدث بين الطفل واخوته ، بين الطفل وابناء جيله ، بينه وبين ابناء صفه . كما وتحدث بين الطفل وابيه ، بين الطفله وأمها ، ثم بين الأم ومن يحيطها من نساء وبين الاب ومن يحيطه من رجال – وجميع هذه الاوضاع تؤثر على نفسية الطفل .

2 – المصطلحات العلميه المهنيه وطرق استعمالها .

  

2 – المصطلحات العلميه المهنيه وطرق استعمالها .

في كتابها " الادب ، التربيه والصحه النفسية " ( الجامعه العبريه ، 1992 ) تقول دفورا كوبوبي :

" إن شخصية الإنسان ، بما في ذالك مدى صحته النفسيه ، تتبلور بمدى تجاربه العاطفيه التي يمر بها أثناء مراحل نموه ، وبشكل خاص عن طريق التجارب المرتبطه بعلاقاته مع شخصيات مهمه في حياته ( الوالدان أو من ينوب عنهما ).
بكلمات أخرى : خطورة التشويشات النفسية تقع بنسبة مستقيمة مع قوة التجارب الهادمه – الشعور بالظلم والاحباط ، وبالنسبة للطفل فإنها تؤثر عليه بشكل قوي إذا مرّ بها في مرحلة نموه المبكرة " .

بناء على ذلك نقتبس من نظريات علم النفس التحليلي والتربيه بعض المصطلحات التي تساعدنا على جعل عملية القراءة مع الاطفال تجربة ذات إفادة نفسيه عالية

1. التجربه البنّاءة والتجربة المصححة .
2. التوضيح . clarification
3. الكشف .

1 -
إن الطفل يمر كما قلنا بتجارب متنوعه ومتناقضه . إن التجارب البناءة التي يمر بها هي التي تبني شخصيته المعافاة وتصقل صحته النفسيه . ولهذا فهو بحاجه دائمة لمثل هذه التجارب البناءة . على سبيل المثال يحتاج الطفل إلى التصرف معه باحترام للحفاظ على كرامته ، وقبوله بدون أي شرط من قبل الآخرين هو ايضاً حاجة ماسه لدى الطفل .
إن قبول الطفل بدون اي شرط هو بمثابة تجربة بناءة . إنه بحاجه دائمه لهذه المقبوليه وهذا الاحترام الذي من شأنه أن يهذب شخصيته ويقوي معنويته . ولذلك إن الاطفال الذين يشعرون بمسس في كبريائهم ، أو بنقص في احترامهم من قبل بيئتهم فهم بحاجه ماسة إلى " وجبة " كبيره من الاحترام . وهذه هي التجربه المصححة .
من هنا ، فإن الوجه الآخر السلبي لقلة الاحترام هو الاتهام المتواصل للأطفال بعدم الكفاءه ، بعدم القيام بواجباتهم ، بعدم المنفعه وغير ذلك . هذه الاتهامات تُشعر الطفل بتحمل الذنب ، مما يعيق تطور شخصيته وإضعافها .
ولعل أحسن القصص التي تلائم لهذه الظروف هي القصص التي يمر بطلها في البداية بأزمات وبفشل معين ، وفي النهايه يستطيع التغلب على العقبات والأزمات وينجح في التخلص منها حتى الانتصار .

إن الطفل يتضامن مع القصة ويقوم بعملية تماثل بين شخصيات القصة وشخصيات أو أوضاع مبطنه في داخله من الماضي . هذه العمليه تثير ما كان قد أبطنه فتطور علاقه من النقل (transfer ) نحو ردود فعل إيجابيه تقوي لديه التجربه المصححه مما يساعده على التحرر من العواطف المبطنه وهذا مايسميه علماء النفس بتخفيف حدّة " الأنا الفوقي " ليعظم شأن " الأنا " .

2 -
التوضيح clarification

النفس المعافاة هي التي يحمل صاحبها " الفكرة الصحيحة ، المألوفه ، عن الواقع ". فإن عملية التوضيح معناها توجيه الإنسان أن يقرأ الواقع بشكل صحيح ، أي بالشكل المتفق عليه من قبل المجتمع . هنالك من الأطفال من يرى الواقع
( أو القصه) ويفهمه بشكل غير صحيح ، مزيف ، وهذا يتعلق إمّا بالعامل الواعي أو العامل العاطفي . وهنالك بعض الأطفال الذين يعتمدون فهم ( القصة ) الواقع بشكل مزيف ومخطوء ، وإن لم يكن بشكل مباشر ، فعن طريق ردود الفعل تجاه ما يحدث.

3 –
الكشف
هنالك من الجارب التي يمر بها الطفل التي تقوي لديه إدراكه للصراعات والمسارات النفسية غير المدركه – بما معناه أن الطفل عن طريق ذلك يستطيع إبدال غير المدرك بالمدرك ، بكلمات أخرى يعمل على تهذيب الصراعات غير المدركه .

إن التعبير الكلامي للمسارات النفسيه يساعد على كشف أو انعكاس العواطف والأحاسيس بشكل ملموس ، ويساعد على ترجمة وفهم الأوضاع والحالات القصصية التي تمكنه من التعرف على هذه الأوضاع المماثله داخله والتي كانت مبطنة وجامدة . ويختلف " الكشف " عن " التوضيح " بأن الكشف لا يتوجه مباشرة إلى الوعي والادراك بل يحاول تشجيع وإثارة هذه الأوضاع عن طريق القصة وذلك لتخفيف وإضعاف " المراقبه " . وعن طريق عملية الإرخاء هذه يتمكن الطفل من التعرف على المسارات النفسيه وترجمتها إلى كلمة تجسد الأوهام والخيالات .
ولهذا السبب إن أهمية القصه من هذه الناحيه هي كونها مكتوبة بلغة الكلمات – اللغه هنا هي الأساس .

3 – أنا يوسف يا أبي

إن ما يثير انتباه الباحث والمربي والطالب هو القصص الخالدة التي أثيرت قبل الاف السنين ولا تزال تهز مشاعر إنسان القرن الحادي والعشرين وستبقى خالده للأبد .

الإجابة الأساسيه واضحة ، وهي أن هذه القصص تطرح حواراً عميقا وجاداً مع العواطف الإنسانية الخالدة ، والتي ستبقى تثير الإنسان طالما يبقى الإنسان بشراً ولا ينقلب إلى الآلة .

قصة يوسف بدأت في الكتاب المقدس \ العهد القديم ، ونزلت في القران الكريم وانضمت إلى قصص الأنبياء . وهي من القصص القليله التي لم تلبس أثواباً جديده ومعادلات مختلفه في الادب الشعبي . بقيت كما وردت في الكتاب المقدس في الحضاره العبريه والحضارات المسيحيه ، وبقيت كما نزلت في القرأن الكريم في الحضاره العربيه والحضارات الإسلاميه .

ونبدأ بمحاولة لفهم ورودها في الكتاب المقدس \ العهد القديم . والقصه كما وردت في التراث العبري تدخل إلى التفاصيل ومكانة يوسف في بيت والده وفي بيت جده ، وتتمركز في بداية القصه في فترة طفولته والمحبة التي منحت ليوسف الطفل والغلام من قبل عائلته على مشهد من اخوته ، وتفضيل يوسف في هذه البيئه على الأخوة الأحد عشر . جاء في كتاب " الكامل في التاريخ " ابن الأثير ، ما يلي :

" . . . وكان ابنه يوسف قد قسم له ولأمه شطر الحسن ، وكان يعقوب قد دفعه إلى أخته تحضنه ، فأحبته حباً شديداً ، وأحبّه يعقوب ايضاً حبا شديداً ، فقال لأخته ، سلّمي إليّ يوسف فوالله ما أقدر أن يغيب عني ساعة ، فقالت والله ما أنا بتاركته
ساعة ... فأخذت يوسف فأمسكته عندها حتى ماتت واخذه يعقوب بعد موتها
فهذا الذي تأول أخوة يوسف . . . فلما رأى أخوة يوسف محبة أبيهم له وإقباله عليه حسدوه وعظم عندهم "

· ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، الجزء الاول ، دار الكتاب العربي، بيروت.ص78

ومن المعروف أن التراث العبري كما ورد في الكتاب المقدس \ العهد القديم ، أن يوسف هو الابن الحادي عشر ليعقوب وبكر زوجته راحيل ، والتي أنجبته بعد سنوات طويله من العقر ،وتحتل قصة يوسف في التوراه ، سفر التكوين ، مساحة مميزه وأكبر بكثير من قصص باقي الأنبياء والآباء ( اثنا عشر فصلاً ) . وأول ما يميز هذه القصة في بدايتها ، أي مرحلة الطفوله ، هو علاقة الحب بلا حدود من قبل يعقوب لابنه يوسف . ويبرز سبب هذا الحب الذي مرجعه محبة يعقوب لام يوسف راحيل ، زوجته المميزة . وحتى بعد ذلك يحظى يوسف بحب أبيه بسبب صفاته المميزه . ويوسف بدوره يستغل هذا الحب استغلالاً خاصاً لكي يثير حسد إخوته حتى الكراهيه .

وفي القرأن الكريم تنزل قصة يوسف كقصه : " نحن نقصّ عليك أحسن القصص " ورغم ذلك فإنها تحتل مكانه مرموقه ، إن صح هذا القول في القرأن الكريم من ناحية ترقيمها ( السورة الثانية عشرة ) ومن ناحية طولها ( مائه واحدى عشرة آية كريمة .

يقول السيد قطب في كتابه لتفسير القرأن الكريم * ، بعد اقتباسه ما هو الجزء الاول من السورة ؛ من بدايتها وحتى قدوم السيارة التي وجدت يوسف :

" هذا الدرس هو المقدمة ، ثم الحلقه الاولى من القصة ، وتتألف من ستة مشاهد وتبدأ من رؤيا يوسف إلى نهاية مؤامرة أخوته عليه ، ووصوله إلى مصر ...

هذه المقدمه إشارة البدء إلى القصه ، ثم يرفع الستار عن المشهد الاول في الحلقه الاولى لنرى يوسف الصبي يقصّ رؤياه على أبيه ... "

· السيد قطب ، في ظلال القرأن ، المجلد الرابع ، دار احياء التراث العربي ، بيروت

ولهذا وباعتبار السيد قطب علما وعلماً في فهم القرأن الكريم ومرجعاً لما نستطيع أن نعتمد عليه الحساسيه الدينيه ، نقول إن هذه القصه في القرأن الكريم نزلت بأسلوب درامي ، لما فيها من صراع من العناصر الإنسانيه والحوار الحدثي الذي يميز المأساة .

والقرأن الكريم ، بعد المقدمه المباركه ، يبدأ القصة بالحلم والذي له ابعاده الدرامية على أحداث القصه وبشكل مكثف يشمل العناصر المفصله التي سربها الكتاب المقدس العهد القديم .

لقد أحس يعقوب ما أدركه وذوتّه ابنه يوسف الذي سيصبح أباً نبياً ومع ذلك فقد تصّرف كما يتصرف كل طفل إنسان بشري ، حين استغل هذه المحبه، وخاف يعقوب منذلك خوفاً شديداً . إن الغيرة والحسد أخذت تتغلغل في نفوس اخوته ، بدءاً من منح يعقوب محبته الخاصه ليوسف الطفل ومحبة عمته ، شراء الثوب المطرز الذي يرمز إلى الكثير من ذلك ، بما يكشف ما في داخل نفس يوسف من غرور وعبث ولهو بما يكنه له الجميع " لينفقأ " به أعين أخوته الناظرين بحسد يتحول الى حقد وكراهيه . ويصل هذا التناقض العاطفي إلى ذروته في رؤيا يوسف بالحلم . والتي تبدأمنها قصة يوسف في القرأن الكريم .

يعتقد الباحثون أن يوسف رأى الحلم عندما كان عمره اثنتي عشرة سنة : " يا أبت اني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ، قال : يا بني لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين " .

إن يعقوب ينصح ابنه يوسف بألا يقص رؤياه ( ولاحظ كيف أن القرأن الكريم شأنه في القصه ما سيحدث فيما بعد ، لذا استعمل كلمة رؤيا وليس الحلم ) خشية أن يستشعروا وراءها لأخيهم الصغير ، غير الشقيق ، فيجد الشيطان من هذا ثغرة في نفوسهم ، فتمتلئ نفوسهم بالحقد ، فيدبروا له السوء .

ومع ذلك فإن أخوة يوسف علموا بهذا الحلم ، سواء عن طريق امرأة يعقوب أو ربما يوسف هو الذي أعلمهم به رغم تحذير والده من ذلك . فقالوا :

ما عنى بالشمس غير أبينا ولا بالقمر غير أمنا ولا بالكواكب غيرنا ، إن ابن راحيل يريد أن يتملك علينا ويقول : أنا سيدكم .

فتأمروا بينهم أن يفرقوا بينه وبين أبيه وقالوا : " ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ..." .

إن السيد قطب في كتابه المذكور لشرح وتفسير القرأن الكريم ، يضيف بُعداً آخر هو مفهوم الرؤيا ، أي فيما يتعدى الحلم الذي يعني في المرحله الأولى شعور يوسف بالغرور وحقد أخوته عليه من جراء ذلك . يقول السيد قطب :

" كان يوسف صبياً أو غلاما ، وهذه الرؤيا كما وصفها لأبيه ليست من رؤى الصبيه ولا الغلمان ، وأقرب ما يراه غلام ، حين تكون رؤياه صبيانيه أو صدى لما يحلم به ، أن يرى هذه الكواكب والشمس والقمر في مجره أو بين يديه يطولها ، ولكن يوسف رأها ساجدة له ، متمثلة في صورة العقلاء الذين يحنون رؤوسهم بالسجود

تعظيماً . . .

لهذا ادرك ابوه يعقوب بحسّه وبصيرته أن وراء هذه الرؤيا شأنا عظيماً لهذا الغلام ، لم يفصح هو عنه ، ولم يفصح عنه سياق القصه كذلك . ولا تظهر بوادره إلا بعد حلقتين منها . أما تمامه فلايظهر إلا في نهاية القصه بع انكشاف الغيب

المحجوب ..." .

نفس المصدر ص 210

وهذا البعد الجديد يعني أن يوسف عدا عن كونه طفلاً مدلعا للأسباب العائليه التي ذكرت ، فيبرز هنا كونه طفلاً مميزاً ذا ملكات وقدرات فوق عادية تجعل اخوته يحسدونه ويغيرون منه ، مما يضخم عاطفة الحسد والغيرة تجعلهم يشعرون بالذلّ والإهانه مما يثير في داخلهم عاطفة الضغينه والحقد . وهذه هي " القشة التي قضمت ظهر البعير " وجعلت أخوته يفكرون في التخلص منه .

أما كتاب الأطفال " أنا يوسف يا أبي " مبنيّ على أساس قصيدة الشاعر محمود درويش بتصرف ، وبطريقة جعلت للقصيدة إعداداً ليصبح قصة للأطفال .

قصيدة الشاعر محمود درويش لا تتطرق بتفاصيلها إلى أحداث قصة يوسف عن الكتاب المقدس أو القرأن الكريم . فمن ناحية التفاصيل يقتبس الشاعر الآيه القرأنيه الكريمة عن الحلم ويضعها بشكل استغراب يفاجئ يوسف واحتجاجه على دفعه من قبل أبيه وأخوته ليحمل الشعور بالذنب . " فهل جنيت على أحد عندما قلت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ؟ " .

إذن إن محمود درويش وبأعقابه القصه الحديثه تضع في مركز الاحداث العقده التي تنجم عن اتهام الطفل بأعمال ليس هو المسئول عنها ، وهذا ما يجعله يشعر بالذنب مما يضعف من شخصيته ، ويجعله يبحث عن تجارب بانيه ومصححه ليتحرر من هذا الشعور .

إن تمييز طفل ما من قبل والديه ، أو معلميه أو محيطه عن غيره من اخوته أو انباء جيله ، هذا التمييز والتفضيل من ناحية معينه يثير عواطف الغيرة والحسد والتي قد تعود إلى الضغينه والكراهيه ، ثم من ناحية أخرى تجعل الطفل ... يحمل الشعور بالذنب وهذاما يعقد الأمور أكثر فأكثر مما يعيق صقل وتهذيب شخصية الطفل فالقصة تساعد الطفل على التمرد من هذه العقد وتجعله يخوض التجربه المصححه والتي تدفعه إلى طلب التجارب البناءة الناقصه

الأسس الانسانية لأدب الأطفال

  

الأسس الانسانية لأدب الأطفال

( 1 ) مرحلة الطفولة المحدّدة

مقدمة :
يتميز مصطلح أدب الاطفال بشكل عام بمرحلة الطفولة المحددة الموجه إليها هذا الأدب ، دون أي اختلاف في روح الادب ذاته . وحين نتحدث عن أدب الكبار أو الموجه للكبار فإننا لا نستعمل هذا المصطلح بل نكتفي بلفظ الأدب دون إضافة كلمة الكبارومن جهة أخرى فليس هناك أي تحديد لأجيال الكبار ، يكتب للكبار من جيل الثمانية عشرة وما فوق دون أي فصل بين مراحل هذا الجيل .
أما عند استعمالنا لمصطلح أدب الاطفال فمن الطبيعي جداً أن يكون الأدب المطروح ملائماً لمرحلة الجيل المتناول . هكذا يتبين أن الأدب أو روح الأدب الموضوع المشترك لدى الجيلين . تماماً كما هي روح الإنسان ; الروح واحدة وإن كانت في شخص طفل أو في شخص رجل كبير .
ولعل هذا هو الدافع الذي يحثّنا الى البحث في روح هذا الأدب وفي ماهيته من منطلق المشترك بينهما وليس من منطلق المغاير والمختلف . بإستثناء بعض الملامح المميزة لروح الطفل وهي تلك التي لا نجدها عند الكبير . وجدير بالذكر أن الطفل قد لا يستطيع قراءة أدب الكبار ; أن يفهمه وأن يتذوّقه ويتماثل معه ، بينما يستطيع الكبير ، بل يجد كل المتعة في قراءة أدب الأطفال ، أن يتذوقه وحتى أن يتماثل معه .
السؤال الأساسي الذي يحدد نهج هذه المحاضرة يتمحور حول ماهية أدب الأطفال وروحه ؟ إلى جانب أدب الكبار وهو :
ما هي العوامل الأساسية التي تجذب كلا من الطفل والكبير إلى العمل الأدبي والتي تجعله يتمتع به متعة روحية جمالية ، يتذوقه ويتماثل معه ، مهما اختلفت المضامين والأحداث وحتى الشخصيات .
أوليست هذه هي العوامل نفسها هي التي تجعل من النص الأدبي أدبا خالداً مقوننا، قومياً وعالمياً ؟ !
لماذا يتوجه أطفال العالم في كل زمان ومكان دون تنسيق بينهم إلى قراءة " روبنزون كروز " " سندريلا "
" والقبعة الحمراء " ؟ للإجابة عن هذا الطرح يجب أن نعرف ما هو المشترك بين جميع هذه القصص الخالدة والتي لا ينزلها عن رفّ القراءة زمان أو مكان !
مهما اختلفت الأديان ، القوميات ، واللغات والحضارات على مر العصور؟ فإن هنالك عوامل مشتركة تربط بين البشر أينما حلوا ويميزهم عن سائر المخلوقات ، تلك هي العوامل التي تضفي عليهم طابعا خاصا ، إنها بلا شك العوامل الإنسانية .
ولعل أسمى هذه العوامل هي العواطف البشرية ، التي تجمع بين طياتها الشعور بالطمأنانية والقلق أو الحاجة إلى الحب والائتناس ، السرور والحزن ، الامنيات وغيرها من الشعور والأحاسيس.
ثمة من يعرف هذه العواطف بأنها مصدر ضعف الإنسان ، وقد نعرّف معنى الإنسانية بأنها ضعفنا البشري ، ولم تكن محض صدفه أن تتركز الديانات السماوية الثلاث في دعوة إلى التربية الأخلاقية التي تعتمد على هذه العواطف وعلى إرشاد الإنسان نحوتكيفه معها .
ففي القرأن الكريم في سورة النساء الأياتان : 27 – 28 يقول تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم :
" والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتّبعون الشهوات ِ أن تميلوا ميلاً عظيماً ( 27 ) يريد أن يخفّف عنكم وخُلق الإنسان ضعيفاً ( 28 ) .
إن الضعف البشري حسب المفاهيم المألوفة في مختلف المجتمعات يكمن في غرائز الإنسان وفي عواطفه وفي أحاسيسه . ولكن في الواقع تتجلى هنا إنسانيته ، وهو يطمح دائماً بفضل أو ربما بسبب التربية الأخلاقية أن يتغلب على هذه الغرائز والعواطف . فإن المجتمع الانساني بصفته نظاماً عاماً أبطل الكثير من الحقوق الفردية الطبيعيه وكبت الكثير من الغرائز والعواطف الطبيعيه بغية تكوين منهج جماعي يقيد من حرية الفرد لصالح المجتمع .
ولعل قصة سيدنا داوود كما وردت في " الكتاب المقدس " تحقق بعض الأهداف في هذا السياق :
" وكان في وقت المساء أن داوود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح إمرأة تستحمّ ، وكانت المرأة جميلة المنظر جدّا . فأرسل داوود وسأل عن المرأة فقال واحد أليست هذه بتشيبع بنت إليعام إمرأه أوريا الحتيّ . فأرسل داوود رسلاً وأخذها فَدَخلت إليه فإضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ..."
( صموئيل الثاني ، 11، 2- 6 ) .

أن الهدف الرئيسي من ورود هذه القصة في الكتاب المقدس عن رابع الانبياء وعن أكبر ملوك بني إسرائيل ، هو التأكيد على إنسانية الأنبياء ، فكأن في هذه القصة عظة وحكمة للبشر جاءت لتذكرهم إن الأنبياء والرسل هم لحم ودم ، وأن لديهم غرائز وعواطف كسائر الناس ، صغارهم وكبارهم ، فقرائهم وأغنيائهم ، ملوكهم وعبيدهم .
يجدر الإشارة هنا إلى أن الكتب السماويه أكدت على إنسانية الأنبياء بقدر أكبر من ما تؤكده اليوم على انسانية موسى عليه السلام في كتاب : خروج ، الاصحاح 33 ، 18 – 21 ما يلي :

" فقال أرني مجدَك ، فقال أُجيز كل جودتي قداَمكَ ، وأنادي باسم الرب قدامك ، وأتراءفُ على من أتراءف وأرْحَمُ من أََرحم . وقال لا تقدر أن ترى وجهي ، لأن الإنسان لا يراني ويعيش ..... " .
يبيّن هنا أن النبي موسى ، عليه السلام ، كليم الله ، يريد رؤية وجه الخالق كي يتميز عن غيره من البشر ، وهكذا تأتي إجابة الخالق ، والتي تطوي في مضمون انسانية النبي موسى وعدم تميزه عن غيره من بني البشر ، ولا يرى الإنسان الله ويبقى حيّا .

وهكذا أيضا في القرأن الكريم ، تتكرر فكرة إنسانية الأنبياء والرسل بغية عدم تأليههم بل جعلهم نماذج بشرية على ضعفه وقواه لكي يقتدي به الصغار والكبار . ففي سورة الكهف جاءت الأية التي تنهي السورة :
بسم الله الرحمن الرحيم : " قل إنما انا بشر مثلكُمُ يوحى إلي .... " ( 110 )
ويؤكد ما جاء في القرأن الكريم ايضاً انسانية الانبياء إزاء الملائكه ، فإن الرسل والانبياء ما هم إلاّ بشر يُبعثون إلى قومهم بوحي من الله . فورد في سورة الشعراء الأية 95 : بسم الله الرحمن الرحيم :
" قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنّين لنزّلنا عليهم من السماء ملاكاً رسولا " .
وهناك نماذج مألوفة كثيرة تؤكد أن الإنسان يبقى مجرد مخلوق مهما كبر شأنه وعلت مكانته فإن له نفساً وروحاً تتميزان بالعواطف والأحاسيس المختلفة ونهايته هي الموت ، فيخافها ويحزن لمجرد التفكير فيها .
وهكذا أقام المجتمع بعد تكونه الجماعي نظماً يحاول في إطارها الحدّ من الإسراف في هذه الأحاسيس البشرية ، وحاول أن يجد لها حلولاً وقوانين معاقبة تمنع الفرد إطلاق سراح هذه العواطف .
إن كبح هذه العواطف لا يعني التخلص منها والسيطرة عليها سيطرة تامه ، فمن خلال كبحها تسبح هذه العواطف في عقلينا الواعي واللاواعي ، وتجد لها في كثير من الاحيان متنفساً في الخيال والحلم وحتى في اليقظه .

إن التعليمات والمواعظ وأصول التربيه من شأنها أن تهذب وتلطف هذه الحالات البشرية ، لكنها لا تستطيع القضاء عليها . لذلك وبغية التعامل مع مخاوفه وأحاسيسه أبدع الإنسان مجالاً رائعاً هو مجال الأدب . فلعل الأدب أجمل الأطر والصيغ لتلطيف مخاوفه وأحاسيسه بل للتصريح بها بشكل حضاري انساني .
وقد نجد أن العوامل الإنسانيه هي الأطر المشتركه لجميع بني البشر في جميع العصور والأجيال وبأن النصوص الأدبيه المكتوبه منها والمنقولة شفوياً والتي تتعامل مع هذه العوامل الإنسانيه هي الخالدة ، وهي المقوننه وهي الملائمة لكل الأجيال والعصور ، وبأن النصوص الأدبيه التي تتعامل مع مشاكل ظاهراتيه ، لا تنبع من عمق النفس البشرية بأسمى عواطفها هي تلك النصوص الزمنيه التي تتغير وتختفي مع مرور الاحداث التي تتعامل معها.
وأدب الأطفال كأدب الكبار إذا تعامل مع الأوضاع الانسانية ، الاجتماعية والاخلاقيه معاملة التربية المباشرة واتخذ شكل الاوامر والتعليم فإنه سيبدو غير ناجح ، وغير جميل وبطبيعة الحال سيعتبر ضرباً من الدروس التربوية وليس أدبا جميلاً مبدعاً .
إذن الادب الجيد ، الادب الجدي هو الادب الذي يتعامل مع العواطف البشريه ، مع المخاوف والأماني والأحاسيس – ولكن دون أن نتجاهل ضرورة كتابة الادب التربوي ، التعليمي الموجه للأطفال ، ضف إلى ذلك الادب الترفيهي أو أدب التسليه . على ضوء ذلك نكون قدقمنا بعملية تصنيفيه للأدب وقسمناه إلى مجالات مختلفه
هي كما يلي :
- المجال الابداعي .
- المجال التربوي الهادف .
- مجال التسليه والترفيه .
وتتمحور محضارتنا هذه حول الادب الابداعي الذي يعنى كما أسلفنا بالعواطف والأحاسيس الانسانية ، وبخاصة الحزن والمخاوف.

2– جمالية الادب :

استذكر هنا قولاً مألوفاً لأحد كبار الشعراء عن جمالية الأدب حيث يقول " لا أعرف حتى اليوم كيف يستطيع الأدب أن يجعل من حزننا شيئاً جميلاً " .
هنا تكمن جمالية الأدب . إنه صيغ جميله لعواطف الانسان . ومن هذا المنطلق يجب أن نفحص ما هي الأسباب التي تؤدي إلى اتفاقيه غير مباشره بين أطفال العالم بأن يقرأوا سندريلا ، القبعه الحمراء أو روبنسون كروزو وغيرها !
الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ( 1712 – 1778 ) صاحب نظرية التربية الطبيعيه يوصي ابنه " إميل " أن يكون أول كتاب يقرأه قصة " روبنزون كروزو " لأنه في رأيه ستزوده هذه القصة بأفضل تجربة تربويه . وجدير بالذكر انه جعل هذه القصة الكتاب الوحيد في مكتبة إميل لفتره طويله .
وتبدأ هذه القصة على النحو التالي :
" كانت عائلتي عريقة وكان أبي سيداً حكيما ، علم دوماً بولعي بالبحر ، وحاول دائماً شرح الأخطار التي يتعرض لها كل بحار هناك . وعلى هذا الأساس تخليت عن فكرة ركوب البحر لبعض الوقت . ولكن ذات يوم عندما كنت في مدينة هال ، التقيت بصديق لي كان ذاهباً للإبحار على سفينة والده . دعاني للسفر معه ووصف لي الرحلات الرائعة التي قام بها . أيقظ هذا حبي العميق للبحر ، وبدون أن أسأل بركة أبي أو بركة الله ، وبدون التفكير بنتائج قراري المتهور ، صعدت على متن السفينة ....." .

يكمن العامل الإنساني الأساسي في الأسطر الأخيرة من الفقرة أعلاه يتمحور حول الصراع الإنساني الابدي بين رغبة الوالدين بطاعة الاولاد لإرادتهم ، وبين تمرد الأبناء على إرادة والديهم .
والعامل الانساني الأخر الذي ينجم عن العامل الأول هو ليس فقط الطموح إلى الاستقلالية لدى الاطفال بل تحقيقها . ثم يأتي عامل غريزي إنساني أخر هو الانجذاب إلى المجهول الذي يكمن في حب المغامرة والفضول . لو أردنا أن ندخل هذه العوامل في قصص المجال التربوي لفقدنا جاذبيتها لأنه من المفروض في القصص التربويه الهادفه أن يطيع الطفل أبويه ، وأن ينفذ التعليمات الملقاه على عاتقه ، وإذا ما رفض ذلك فإنه يستحق العقاب والتأديب .
إن وضع هذه الرغبات الغريزيه في صيغة أدبيه تجذب الطفل بصراحتها وعفويتها . هذا ما يشعر به كل طفل ، ولكننا من ناحية أخرى لا نستطيع إبداءها للطفل بشكل مباشر لأن ذلك من شأنه أن يتناقض مع التربية الحقيقيه . فالقصه تجيئ إذن لتلطيف هذه الغريزه ، للاعتراف بوجودها كظاهرة طبيعيه ، لا تعيب ولا تخيف . ويجعل الادب هذه العملية بشكل جمالي جذاب . نقول لو أن روبنزون كروزوأ طاع أبويه ، فذهب إلى التعليم وحصل على شهادة في الحقوق ونجح في حياته بشكل عادي ومألوف . هذا شيئ جميل في الواقع لكنه لا يخلق قصة جميلة وجدية في مجال الإبداع . إذن تبدأ القصة لتتعامل مع طفولتنا في الوضع الذي يبدأ به بطل القصه بالقول :
" وبدون أن أسأل بركة أبي أو بركة الله ، وبدون التفكير بنتائج قراري المتهور ..." .
ولننظر إزاء ذلك في قصة يوسف حسبما وردت في القرأن الكريم :
" نحن نفصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرأن وإن كنت من قبله من الغافلين ....
إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحَدَ عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين . قال يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين " ( سورة يوسف )
يعتبر القرأن الكريم قصة يوسف أحسن القصص . إذا تمعنا في هذه القصة قصة يوسف الطفل نجد أحلام الاطفال وأنانيتهم التي تنبع من غريزة الانسان منذ ولادته ونجد هذه الانانية التي يعرضها القرأن الكريم في صيغة قصة جميلة هي أحسن القصص . وخوف الوالد الذي يملي عليه تحذير الابن من مغبّة حسد أخوته ، لا يجد طاعة لدى يوسف الطفل. وتطور القصة واضح ، ولو صيغت بشكل قصة للأطفال لكانت أيضاً أحسن القصص .

هكذا أيضاً تبدأ قصة " القبعة الحمراء " :
" يحكى انه كان في وسط غابة كثيفه منزل صغير أبيض تسكنه فتاة صغيره يعرفها الكل باسم " القبعة الصغيره الحمراء " . وذات صباح ، رافقتها أمها حتى بوابة الحديقة وقبلتها وقالت لها :
- احملي هذه السله من الكعك إلى جدتك المريضه ، ولكن إياك أن تزيغي عن الطريق أو تتوقفي أثناء سيرك ، فإنني أخشى أن يصيبك مكروه . "
تبدأ القصه بظهور مخاوف الأم على ابنتها وهذه المخاوف تنبع من عدم الثقه بالطفله . هذه المخاوف تترك لدى الطفل شعوراً بالإحباط الذي يتطور إلى تمرد على الأهل ، وغالبا يتحقق هذا التمرد مكوناً صراعاً بين الطفل والأهل .
ثم يأتي العامل الأخر وهو الانجذاب إلى المجهول الناجم عن غريزة الفضول ومعرفة المجهول . هنا تتحقق استقلالية الطفل بعيداً عن رغبة الأهل التي تعترضها المخاطر المتعددة . وهذه الأخيره لا تردع الطفل من الاستمرار بعملية التمرد الغريزيه ، بل على العكس ، هي التي تدفعه لمجابهة الحياة بشكل منفرد عن الاهل ، وهي التي في نهاية المطاف تترك لديه أثر الاستقلاليه وتحقيق الذات .
هذا ما يحدث بالفعل في قصة " القبعة الحمراء " :
" ثم انطلقت صوب الغابه بخطى حثيثه ، لكنها ما إن ابتعدت قليلاً حتى نسيت أوامر أمها لها بالاحتراس والحذر"
هذه الغريزه الأولى تثير لدى الطفل غرائز أخرى : لنقرأ :
" وضعت الفتاة الصغيره السلة من يدها وانحنت متعجبه :
- كم هي يانعه وجميله ! ما ألذها . . واحده اخرى ! همم . . . هذه الاخيره ! واحده أخرى وكفى ! . . . همم . .!!
واما استهواها التوت الأحمر ، المتلألئ فوق العشب الأخضر ، راحت تركض هنا وهناك متلذذه بمذاق الفاكهه اللذيذ ... "
مره اخرى نقول إن في تطور هذا الموتيق في القصه الابداعيه حركة مناقضه لما يجب أن تكون فيه في القصه التربويه ، وهذا أكبر دليل على ان القصه الابداعيه جذابة أكثر من القصه التربويه . ذلك هو التعامل مع الغرائز البشريه في صراعها الصريح والحقيقي مع الحياه ، ووضعها في صيغة قصصيه حرة هي التي تؤكد جماليتها .

3 - أدب الاطفال المحلي والابداع

في أدب الاطفال العربي تبرز هذه الطاقة من الابداع بعواملها الانسانيه في قصص بعض الادباء ، وتقل وتكاد تكون معدومة لدى الأخرين ، وذلك لسبب التقاليد المألوفه في المجتمع العربي التقليدي في أن الكتابه بشكل عام يجب أن تكون اجتماعيه هادفه تربويه وملتزمة ، وبشكل خاص في أدب الاطفال حيث لا يزال المجتمع العربي ملتزم بمسار الادب التربوي التعليمي والتقريري . هذا موضوع لا يزال طرح النقاش ولا نريد أن نخوض في أغواره في هذا المجال .
استمراراً لهذا الطرح الانساني الابداعي نود أن نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر شعر فاضل علي والذي نعتبره في أغلبيته شعراً جميلاً للأطفال . لكن الاتجاه التربوي لا يزال يطغي على العديد من قصائده ففي قصيدة " غداً " من مجموعة " لي الدنيا " نقتبس ما يلي :

" ولكنني ما عدا مظهري
ذكيّ أنا بعقلي ثري
أقول لأمي : أنا عبقري
غداً حين أكبر لا تسخري
سأغزو عطارد والمشتري "

في هذه القصائد ينجلي التناقض في نفس الشاعر العربي الذي يتربى على خلفية تقليديه ، ولكن هذا التناقض يجد تلطيفاً ظاهريا له في القصيده . فحين تستبدل الأم بدل الأب ، فكأن الشاعر يظن بأنه تعدّى التقليديه والمحافظه باستبدال الأم في مجتمع أبوي .
لكن الشاعر لا يحاول وضع الطفل في حيرته الانسانيه وصراعه مع الأهل وطاعة الوالدين .

إن التعبير " ذكي أنا – أنا عبقري " غير وارد في عالم الأطفال . وإذا ورد فإنه استجابة لرغبة كل والدين في أن يكون طفلهما ذكي وذا ثراء عقلي . الطفل لا يعرف معنى الثراء العقلي ، ولا يهمه الذكاء وغيابه في هذه الأوضاع . ثم يأتي " غزو عطارد والمشتري " كقمة الاستجابه إلى رغبة الوالدين .

أن ما يبرز هنا هو ذكاء الشاعر وليس ذكاء الطفل . فحينها اعتراض هذه الطاعه والاستجاب للوالدين بكلمة " لا تسخري " فإن هذا الاعتراض لم يأتِ إلاّ تلطيفا لهذه الطاعه العمياء .

إننا نجد هذه الصيغ الجماليه من عملية التلطيف في شعر فاضل علي فتتضح جليّا في قصيدة : " لديّ القرار " :

" يقولونَ :
ماذا ستعمل
حين تصير كبيرا ؟
أقول : طبيباً
ليرضى الكبارْ
وتعلو على الوجهِ
بسمتُهُم
كامتداد النهار
ولكنني في قرارة
نفسي
لديّ الخيار
أنا لن أبوح
بهذا القرار ..."

يظهر الطفل في هذا الوضع مظهر الذكي المخادع . فمن ناحيه يعرف انه يجب أن يرضي والديه " سأصبح طبيباً ليرضى الكبار " ، ولكن الشاعر في هذه القصيده لم يكن جريئاً حين أنهاها بعلامة استفهام ، أو بنهاية مفتوحه .
" أنا لن أبوح . . . بهذا القرار " فعملية التلطيف هنا مخادعه ، ليس من قبل الطفل بل من قبل الشاعر ، فكأنه يترك لنفسه مجالاً للهروب . وفي هذه الحاله من الخضوع ينسى الشاعر أن القصيده للأطفال وليست للكبار . ومثل هذه القصائد كثيره في شعر فاضل علي ، وخاصة تلك القصائد التي تمحو الفارق الحقيقي بين أدب الأطفال وبين الأدب التربوي الذي يُكتب عن الأطفال . سنترك هنا مجالاً أخر للبحث التصنيفي بين الأدب الذي يكتب للأطفال والأدب الذي يكتب عن الاطفال .

في قصة " العيد الذي لم أشترك فيه " لأحمد هيبي ، عوامل انسانيه تجعل من قصصه أدبا ابداعيا حقيقياً . مع اعتراضنا لبعض المفردات والتعابير المباشره طبعاً . تبدأ القصه كما يلي :

" هل تتخيل . . . أن يمرّ عليك عيدٌ يحتفل به جميع إخوتك وأنت لا تشترك فيه ؟ " تخيل أن أهلك يجلسون على المائده ، وقد حضروا اللحم المشوي ولم يدعوك للأكل ، بل بقيت أنت جالساً حزيناً في الزاويه " .

إن البدايه قويه جدّا وجذابه في طرحها لوضع إنساني محزن . إنها بدايه لصراع بين الطفل وأهله ، ويتضح فيما بعد أن هذا الصراع ليس اجتماعياً بل إنسانيا طبيعياً . ثم يضيف الكاتب بعداً أخر للصراع الذي ستأتي تفصيله فيما بعد بفقرة اعتراضيه متناقضه :

" يحبني أهلي ، ويدلّلني كل من رأني . يقولون إن دمّي خفيف واني جميل . ويحب الجميع طريقتي في الأكل ، ويتأملونني حتى وأنا نائم . . . فأنا أعرف كل ما يدور حولي ، ولا يخفى عليّ أيّ شيئ ، أما ما حدث مؤخرا ، فكان صعباً علي ، وأنا للأن حزين ومجروح " . إن في هذين الوضعين المتناقضين قمةً في الطرح الانساني . وهذا ما يجذب الطفل إلى المشاركة في صيغةٍ لصراعاته الانسانيه الفرديه مع الاهل والاخوه الذين يمثلون المجتمع .
في هذه الصيغة إعاده لبناء الكيان الانساني . إنها تعطي الطفل بعداً ليستطيع من خلال رؤيه ذاته في صراعها مع الحياه . ومن خلال هذه الرؤيا يستطيع أن يلقي بحزنه على منصة الأدب ، من بعيد ، وذلك ما يمكنه كما يقول أرسطو في كتابه " فن الشعر " من عملية التطهير " كاترزيس " .

أدب الطفل العربي - بين الدراسة والابداع

  

أدب الطفل العربي

بين الدراسة والابداع

· بقلم : د. نعيم عرايدي *

1 – مقدمة : مركز ادب الاطفال العربي والنقاش حول ادب الاطفال

لقد شرعت منذ فترة في كتابة دراسة محيطة حول ادب الاطفال ، كنت انوي نشرها في سلسلة مقالات منظمة ، ومن ثم كتاب خاص ، الا ان النقاش الذي اثير مؤخرا في صفحات " الاتحاد " الزمني على نشر هذه المقالة ، والتي تتناول ما جاء في المقالات المذكورة من تساؤلات بغية الرد عليها من جهة وبغية تنظيم الموضوع من جهة اخرى.
وقد يجيئ هذا الرد ليس فقط لاني أدرّس هذا الموضوع منذ سنوات عديدة ولاني مهتم باثارته جماهيريا واكاديميا بل ايضا لاني ادير مركز ادب الاطفال العربي في البلاد والذي يتساءل المعنيون حول نشاطاته. وقد ذكر جميع المتناقشين اهمية هذا المركز ومسؤوليته ودوره الحسّاس بأهمية أدب الاطفال والوقوف على ان حقيقة امر بناء المجتمع السليم والقويم يبدأ من الاهتمام بالطفل .
وحقيقة أن هذا النقاش يدل على ازدياد الوعي التربوي وانتشار التعليم في مجتمعنا العربي . وان ما اثارته هذه النقاشات من تساؤولات حول ماهية ادب الاطفال ومقومات ادب الاطفال هي بمثابة تكثيف جوهري واضافة ابعاد ضرورية لطرح الموضوع .
وقد بدأه الدكتور أحمد هيبي بقوله : " هذه هي بعض الاسئلة التي اثيرت في اللقاءات التي اجراها مركز ادب الاطفال العربي . . . باشتراك عدد من كتاب الاطفال ، والمهتمين بأدب الاطفال عموما ، عربا ويهود " .
( " الاتحاد " ، 21\1\1996 ) . ويضيف الدكتور هيبي " والتي وان كنت فيها اخالف معظم الأراء المطروحة الا انها خطرت لي من وحيها – وهذه هي اهمية اللقاءات : انها تدفعك الى التفكير في مسائل كانت تبدو لك بديهية قبل ذلك " .
اذن ان احد نشاطات مركز ادب الاطفال العربي هو عقد مثل هذه اللقاءات المثمرة والتي تدفعنا وتشجعنا على الاثارة ، الحوار ، والنقاشات البناءة .
وقد وجه السيد عفيف سالم ( " الاتحاد " ، 29\1 \96 ) نداء الى مركز ادب الاطفال العربي جاء فيه : " ان اصدارات المركز هي خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح . . .
ونظرا لهذا المعنى قلنا ما قلناه ، وحكمنا بم حكمنا وان كنا لا نعرف برنامج هذا المركز بتفاصيله وابعاده ... " .
ردا على نداء الاستاذ عفيف سالم نقول ان هذا المركز اقيم عام 1995 كمركز جماهيري شعبي تبنته ثلاث مؤسسات هي : الكلية العربية للتربية في حيفا . والمؤسسة الثانية هي كلية لفنسكي ، وفي الكلية فرع للمركز يخدم سكان وسط البلاد والجنوب . والمؤسسة الثالثة هي " الفنون للشعب " والتي تهتم من خلال نشاطاتها الادبية والفنية بنقل فعاليات المركز الى القرى والمدن البعيدة .
يعمل المركز على تشجيع الكتابة الابداعية المحلية في ادب الاطفال وقد اصدر هذا الشهر ثلاثة كتب للاطفال باصدار راق مرفق بالرسوم الرائعة . وسيصدر المركز كتبا اخرى خلال العام الحالي .
يعمل المركز على عقد لقاءات شهرية لادباء وشعراء الاطفال يناقش من خلالها المواضيع الملحة في هذا المجال ويعمل على بلورة هذا الاتجاه بشكل ممأسس ومنظم . كما يعمل المركز على اقامة ورشات لرسامين معروفين ينوون الرسم لكتب الاطفال دُعي الى الاشتراك فيها جميع المعنيين من خلال الصحف العربية .
واستجابة لدعوة الاستاذ عفيف سالم المباركة لعقد يوم دراسي احتفاء وتكريما للكاتب المرحوم عبد اللطيف ناصر ، بدأنا بالتحضير لهذه المناسبة ، ونحن ندعو بهذا جميع زملاء وذوي المرحوم الى الاتصال بنا للمشاركة في هذه المناسبة .

ثم جاءت مقالتان ، واحدة للاستاذ محمد بدارنة في جريدة "الاتحاد" ( 30\1\1996)
واخرى للكاتب الاردني فخري صالح في جريدة " الحياة " ( 29\1 1996 ) تناقشان مقومات ادب الاطفال العربي . ويجدر بنا مناقشتها وطرح منظورنا لمفهوم ادب الاطفال .

2- الكتابة للاطفال في المجتمع العربي

يبدأ الاستاذ فخري صالح مقالته المذكورة في جريدة " الحياة " بطرحه فرضية هي بمثابة موقف لم يسنده بأية حقائف مدروسة ، فيقول : " يبدو لي ان الكتابة للطفل في العالم العربي تمّر مثل الكتابة للكبار ، بأزمة حادة معقدة . ولان كان الكتاب ، او المجلة او الصحيفة الموجهة للكبار تعاني من مشكلات التمويل والارتقاء بالمستوى ومحاولة الحفاظ على رقعة التوزيع ، فان كتاب الطفل ومجلته وصحيفته تجعلنا في الحقيقة ننادي بضرورة التضامن في حملة انقاذ للطفل العربي المسكين الذي يتعرض عقله الغض لحملة شرسة من ناشرين تغلب على ماينشرونه من كتب الرغبة في الربح من دون اهتمام بشكل كتاب الطفل او بطبيعة المادة التي تتضمنها . . "
( " الحياة " ، لندن ، 22\1\96 ) .
هنالك عدة امور متداخلة في هذه المقالة كان لا بد من فرزها وتنظيمها باتجاهات مختلفة ، فالفرضية المسبقة في ربط ادب الصغار مع ادب الكبار فعلا يعاني ما يعانيه ادب الصغار . ولا ندري ان كانت مشكلة ادب الكبار او ادب الصغار تعاني فعلا من هذه الازمة المطروحة ، حيث يعتبر الادب اليوم ( للكبار ) شعرا ونثرا ادبا راقيا وعلى مستوى عالمي . ان ترجمته ونشره في العالم الغربي يمكّن من لفت الانتباه اليه ، الامر الذي لم يكن واردا قبل عدة سنوات .
اما المشكلة الأساسية لادب الاطفال التي اخذت تجد حلا لها في السنوات الاخيرة فهي ضرورة وجود ادب الاطفال ، الاهتمام به ، رعايته وتوصيله الى المستوى الكمي والنوعي الذي يليق به في المجتمعات المتحضرة ، والذي هو حق اساسي للاطفال العرب اسوة بالاطفال في العالم الغربي ذلك لان الاهتمام العربي بأدب الاطفال هو حديث العهد ، وهو ثمرة جهود مكثفة تأثرت بما يدور في هذا المجال في العالم الغربي .
صحيح ان ادب الاطفال هو ادب قديم حديث . حيث كانت الامهات والجدات يقصصن الاساطير والحكايا الشعبية للاطفال قبل النوم ، وصحيح ان الامهات والجدات كنّ يغنين التهاليل والقصائد الشعبية على اسرة اطفالهن . فكل ذلك جزء لا يتجزأ من عمل الكبار . ضف الى ذلك اتجاه هذا الادب ونوعه كأدب مسموع وليس كأدب مقروء .
اما الاهتمام النوعي بأدب الاطفال في الوسط العربي فقد بدأ في بداية القرن ولكن ليس بشكل مكثف او منظم او ممأسس ، بل هو ثمرة اجتهاد على مستوى الافراد والاشخاص . هكذا بدأ الاستاذ المعروف رفاعة الطهطاوي : " ان اول من قدم كتابا للاطفال العرب هو رفاعة الطهطاوي وذلك حينما رأى ان اطفال اوروبا ينعمون بقراءة انواع مختلفة من الكتب التي كتبت خصيصا لهم . فقام بترجمة كتاب انجليزي الى اللغة العربية ، وهو عن مجموعة من الحكايات ، وكان اسمه " عقلة الاصبع "
( مفتاح محمد ذياب ، مقدمة في ثقافة وادب الاطفال ، ص21 ) .
ويسرد الكاتب تاريخ الكتابة للاطفال في العالم العربي ، مرورا بالشاعر احمد شوقي وكامل كيلاني وعطية الابراشي وعادل غضبان ، ويؤكد دعمه لعدم اهتمام العالم في الطفل وادبه، ويقول : " ولكن بعض الطلائيعين في هذا المضمار لم يأبه بنظرة المجتمع الى الاطفال وادبهم ، تلك النظرة التي كانت – كما رأينا – نظرة استخفاف واستهانة ، بل استمر هذا البعض في العطاء والكتابة والاهتمام حتى وفاته ، مثل كامل كيلاني ( 1897 – 1959 ) الذي يعتبره ادباء الاطفال اليوم الاب الشرعي لادب الاطفال في اللغة العربية . . " ( نفس المصدر ، ص33 ) .
اذن ان اولئك الادباء والمربين وضعوا حجر الاساس لادب الاطفال العربي الحديث . ثم ان اهتمام ادباء وشعراء الكبار بالكتابة للاطفال مثل احمد شوقي وزكريا تامر وغيرهم لم يكن كافيا لنقول ان لدينا تقاليد وتجربة في الكتابة للاطفال .
نستطيع القول فقط ان تلك المحاولات الفردية في ذلك الوقت قد تكون اوجدت مناخا مناسبا في الخمسينات والستينات لزيادة الوعي التربوي والاهتمام بضرورة رعاية ادب الاطفال .
اما العملية الاحصائية لهذا الموضوع فهي تدل على انه : " ومهما بلغ عدد الكتب التي اصدرت خلال السنوات الماضية ، فهي قليلة جداً اذا قورنت بنسبة عدد الاطفال العرب القادرين على القراءة والذي بلغ عام 1970 حوالي 32 مليون طفل دون سن الخامسة عشرة ، وهم بحاجة الى ما لا يقل عن 1500 كتاب كل سنة باثنين وثلاثين نسخة " ( هادي نعمان الهيتي ، ادب الاطفال ، ص288 ) . قد تكون هذه الاحصائية صحيحة لفترة السبعينات ويظهر انها صحيحة ايضا لفترتنا اليوم . فمع ان احدا لا يشك في القفزات الهائلة التي مر بها ادب الاطفال من الناحيتين الكمية والنوعية في العقدين الاخيرين فاننا نشك في ان تكون هذه القفزات ملأت النقص الكبير في هذا المجال .
هذا من جهة ، اما ما نريد ان نطرحه هنا فهو ضرورة الفصل بين النقاش الاكاديمي حول ماهية ادب الاطفال ، نظريته ، مقوماته واهميته الفنية والتربوية ، وبين ضرورة وجوده وتشجيع الادباء المبدعين في هذا المجال على ضرورة الكتابة وعلى ضرورة رعاية كتاباتهم وطباعتها ونشرها . ومن جهة اخرى يجب ان ننوه هنا الى ان التمييز بين الدراسات الاكاديمية وبين الكتابة الابداعية هي امر ضروري .
ولا اظن ان احدا يشكك في اهمية ادب الاطفال كحق اساسي للاطفال علينا ، نحن المهتمين بهذا المجال : " ادب الاطفال يتيح الفرصة امام الاطفال لتحقيق الثقة بالنفس وروح المخاطرة في مواصلة البحث والكشف وحب الاستطلاع ، والدافع للانجاز الذي يدفع للمخاطرة العلمية المحسوبة من اجل الاكتشاف والتحرر من الاساليب المعتادة للتفكير والميل الى البحث في الاتجاهات الجديدة . . " ( د. حسن شحاته ، ادب الطفل العربي ، ص 12 ) .
واخيرا نريد ان نؤكد هنا ، قبل النقاش في التساؤولات المطروحة ، حقيقة اننا من ناحية اولى نتأثر بما يجري على الساحة الغربية في موضوع ادب الاطفال وخاصة في دراسات هذا الموضوع . اما من الناحية الثانية فاننا نؤكد ميزات مجتمعنا الخاصة والتي تختلف عما يجري في ادب الاطفال العربي : " ان ما بين ايدينا من دراسات لموضوع نمو الاطفال هوثمرة بحوث العلماء الاجانب في بيئات غير بيئاتنا . وعلى اطفال يختلفون عن اطفالنا اختلافا كبيرا في نواح منها : انواع البيئات الاجتماعية وألوان التراث الثقافي الذي يكتسبه الافراد من مجتمع له تقاليده وعاداته ودياناته واتجاهاته .. " ( احمد نجيب : ادب الاطفال – علم وفن 1991 . ص38 ) .
لا مانع اذن ان نستمر بترجمة الاداب العالمية ، مثلما فعل رواد ادب الاطفال العربي، ولا مانع ان نستعمل الادوات العلمية ونستغلها بغية الاستفادة منها في اثراء ادب الاطفال- النصوص والدراسات .

3 – ادب الاطفال وادب الكبار

لم يهتم المجتمع العربي في العصور السالفة بالطفل والطفولة وذلك لاهتمامه منذ العصور الوسطى بمواضيع كونية فلسفية ودينية . اما بالنسبة للادب بشكل عام فقد تركز في اطار ادب الكبار فقط . وفي العصور الحديثة كان الوطن العربي محتلا ومستعمرا مما جعل مفكريه وادباءه يصبون جل اهتمامهم بمقاومة الاستعمار وبمواضيع بعيدة كل البعد عن الطفل وعالمه . واما ما هو مشترك للمجتمع العربي والمجتمعات الاخرى التقليدية هو كون الطفل بعيدا عن مجال اهتمام الكبار لظنهم بأنه مخلوق صغير ناقص العقل والتجربة والمعلومات ، هذا مما جعل نظرة المجتمع العربي الى ادب وادباء الاطفال نظرة استخفاف واستهانة . ولم يحظ ادباء الاطفال بالمركز المرموق ذي الاهمية التي حظي بها ادباء الكبار .
لا ادري حتى ان كان هنالك مجال للتساؤل حول وجود ادب اطفال ، منفصل ومتميز عن ادب الكبار ، فالتساؤل الذي يثيره الدكتور احمد هيبي مخطوء بصيغة طرحه : " هل هنالك ادب اطفال منفصل ومتميز عن ادب الكبار ؟ " ( " الاتحاد " ، 21\1\1996 ) .
ان مرحلة الطفولة هي مرحلة مختلفة نوعيا عن المراحل المتأخرة . فهي لا زالت في طور التكوين والنمو – وهذا ما يميز احساسهم ، تفكيرهم ، لغتهم ومهارتهم : " ان طبائع الاطفال تختلف عن طبائع الكبار . فمراحل النمو التي يمر بها طفل لها دراجات مختلفة في كل مرحلة . وذلك يتصل بالنمو اللغوي ، العلمي ، العاطفي والفكري . ضف الى ذالك المستويات البيئية ، الاجتماعية والاقتصادية . . " ( احمد نجيب – علم وفن 1991 ) .
ولا يعقل بطبيعة الحال الا يتميز ادب الاطفال عن ادب الكبار ولو لهذه الأسباب الطبيعية والنفسية والعقلية . فلكل مرحلة من مراحل النمو ما يناسبها عقليا ، جسميا ، لغويا وعاطفيا . ولا يمكن الخلط العشوائي في مثل هذه الامور التي من شأنها ان تؤثر على التقاليد القرائية للطفل . وقد صنف " بياجيه " وتلامذته هذه المراحل حسب مراحل اساسية بهذا الشكل :

1- مرحلة الطفولة المبكرة ( 3- 6 ) سنوات .

2 – مرحلة الطفولة المتوسطة ( 6 - 8 ) سنوات .
3 – مرحلة الطفولة المتأخرة ( 9 – 12 ) سنة .
4 – مرحلة المثالية او الرومانسية ( 12 – 15 ) سنة .
وتتميز كل مرحلة بطبائع خاصة في كثير من الاحيان باختلاف الافراد والبيئات والمجتمعات . فالمرحلة الاولى يسميها البعض مرحلة الواقعية والخيال المحدود ، والتي لا تزال فيها القيم غير واضحة بالنسبة للطفل . فتلائمها القصص التي تأخذ فيها الحيوانات والطيور وحتى الجماد دوراً فعالا . انها مرحلة التفكير الحسّي والصوري .
اما المرحلة الثانية فهي مرحلة الخيال المتحرر حيث تزداد فيها لدى الاطفال الخبرات الذاتية في المحيط الذي يعيشون فيه . ولهذا تلائمها قصص الخرافات والقصص الشعبية ، ولا تزال الحيوانات والجماد تأخذفيها دوراً رئيسيا .
اما مرحلة الطفولة المتأخرة فتتميز بالرغبة في المغامرة والتجربة الذاتية . وهنا تأخذ الجماعة دور الفرد وللعلاقات الجماعية دور فعال فيها . اذن تلائمها قصص الصداقة
الوفاء ، الخيانة والحسد ، المشاجرات ، المخاطرة والبطولة .
اما من ناحية اللغة فلا مجال هنا في تحليل اهميتها في مراحل نمو الطفل ( راجع في هذا المجال بحثا مفصلا للدكتورة ليلى احمد كرم الدين : اللغة عند الطفل ، معهد الدراسات العليا للطفولة ، جامعة عين شمس 1993 ) .
اذن ، ان هذا التمييز العقلي والعاطفي كاف لان نفصل ونميز ادب الاطفال عن ادب الكبار .
ام ما جاء به الدكتور هيبي ليدعم فرضيته فهو مخطوء منهجيا . يقول الدكتور هيبي : " في لقاء كتاب الاطفال اياه وتحت ضغط الاسئلة المطروحة ، ألهمني الله القول في واحدة من اندفاعاتي غير المحسوبة ، انه لا يوجد هناك ادب اطفال متميز عن الادب العام " .
نقول للدكتور هيبي ان الكتابة للاطفال هي ابداع تماما مثلما هي الكتابة للكبار . وبأنه فعلا اندفع اندفاعا غير محسوب . والدكتور هيبي باندفاعاته المذكورة وبمقالته المذكورة يثبت انه اديب مبدع وبأنه يطرح اسئلة مثيرة مهمة جديرة بالنقاش . والنقاش نوعان ، نقاش الأكاديمين ونقاش المبدعين ، واذا اردنا تصنيف اندفاعاته ومقالته فنضعه في الصف غير المنهجي .
فعلى سبيل المثال ايضا يقول الدكتور هيبي : " هل يصح للبالغ ان يكتب للطفل ؟ وما ادرى الكاتب باحساسات الطفل ، وبعلمه وبذوقه ؟ ان الامر يشبه الى حد ما ان يكتب كاتب رجل ادبا ينضوي تحت اسم " الادب النسائي " .... " .
هنا نستغرب هذه التساؤولات المطروحة والتي من المفروض ان تكون الاجابة عليها امرا واضحا ومعروفا . لان هذا يقودنا الى كل جيل والى كل مهنة والى كل جنس . كأننا نقول : هل يحق للكاتب الاكاديمي ان يكتب عن العمال او الفلاحين . وهل يحق للكاتب المسن ان يكتب عن الشباب ؟ وهل يحق للكاتب الشاب ان يكتب عن المسن؟! وهذه ستصبح كقصة " ابريق الزيت " ، والاجابة عن هذه الاسئلة لا مجال لذكرها ابدا لانها مفهومة ضمنا .
لكن هذا الطرح العفوي البريء من شأنه ان يبعث بنا الى فلسفة الطرح الادبي من الناحية الانسانية في الحضارة البشرية في اطار التساؤل : لماذا نكتب ؟! وهذا السؤال الصعب ، الذي يجب تصنيفه بمعزل عن " النوع الادبي " ( جانر ) . لان ادب الاطفال هو نوع ادبي اخر والذي يتميز عن الادب الشعبي الذي هو نوع ثالث . فهذه العملية هي عملية طرح تصنيفية . انها تصنف الادب . وجميع هذه الانواع هي في اطار ما اتفق عليها تحت عنوان : الادب . واذا كان النص ادبا جيدا فقد يصلح للكبار وقد يصلح للصغار . قد يصلح للرجال وقد يصلح للنساء . وقد يصلح للعمال والفلاحين ، وهكذا دواليك .
للادب الشعبي ، مثلا ، مقوماته وخصوصياته . للادب الكلاسيكي مقوماته وخصوصياته . ولادب الاطفال ايضا مميزاته . وهل في ذلك تناقض ؟ ! وقد ادعم ما ورد في مقالة الدكتور هيبي بأشياء اكثر من ذلك لو انه طرحها بالشكل الصحيح ! فعلى سبيل المثال قد يقرأ الطفل القرأن الكريم ولن يفهمه . ولكنه قد يستمتع بقدسية ايقاعه ورثمه . وقد يقرأ قصيدة لمحمود درويش وادونيس دون ان يفهمها ، وبالرغم من ذلك قد يستمتع بايقاعتها وبأجوائها . وقد حدث ذلك فعلا خلال البرنامج التلفزيوني الذي اقوم بتقديمه مع الاطفال ، ان طفلا في الثامنة من عمره جاء لاحدى الحلقات بمجموعة شعرية لتوفيق زياد وقرأ منها القصائد ، ووجدته يتمتع بقراءتها كما لو انه كان شابا . ويحدث ايضا اننا نحن الكبار قد نستمتع بقراءة نصوص ادبية كتبت خصيصا للاطفال ! فهل في ذلك تناقض ؟ ! وهل يمنع ذلك من وجود ادب الاطفال بمنعزل متميز ذي خصائص ومقومات تختلف عن تلك التي يتمتع بها ادب الكبار ؟ !
ان المقام المشترك للنوعين – ادب الصغار وادب الكبار – هو ما يورده الدكتور هيبي في مقالته ، دون ان يعي ذلك : " لقد كان يكفي تغيير ما ، في حجم الكلمات ، أو في ضغط النص بدون تغيير جوهره أو معناه العميقين في جعل هذه النصوص تصلح ان تكون نصوصا يستطيع الولد ان يقرأها ويتمعن في معناها وموسيقاها ..." .
وهل التغيير في حجم الكلمات وضغط النص والاسلوب هو شيء قليل ؟ ألا يعاني الادباء في استحضار الكلمات وفي تكثيف النص ، وفي بلورة الاسلوب وتهذيبه ؟ ماذا بقي في النص ؟ المضمون ؟ ! وهل في المضمون ابداع ؟ ! أليس الابداع في الكلمات وتراكيبها . وفي الجمل اللغوية والاسلوب ؟ !
ثم يعود الدكتور هيبي وينتبه الى الخطأ الاساسي في الطرح وليس في النظرية : " ينبغي ان نحدد ان عالم الاطفال هو عالم مثله مثل عالم الكبار ، مسكون بهواجس الحب والخوف والكراهية والمبالغة والصراع ، وغير ذلك من المشاعر الانسانية ! ... " .
هنا يكمن الخطأ الجوهري . فالهاجس والحب والخوف والكراهية والصراع ، هذه المشاعر الانسانية هي فعلاً أساسية .

.

كتاب "الخرز الملون" للسلماوي

  

يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر المدير العام سيف محمود الشريف رئيس التحرير المسؤول محمد حسن التل العدد رقم 151114 الثلاثاء 12 شوال 1431هـ الموافق 21 أيـلول 2010 م • • الصفحة الرئيسية • محليات ومحافظات • عربي ودولي • اقتصـاد • قضايا وآراء • فن وثقافة • رياضة • دروب • رسائل الى المحرر • الوفيات • ارسل خبراً • PDF • مكتبة الوصلات . أدب ما بعد الحداثة سلماوي:انهيار الايديولوجيات اربك المواقف في العالم العربي * نعيم عرايدي في مؤْتمر دوري عالمي يقيمه اتحاد الكتاب ، في رومانيا ، التقيت الأديب محمد سلماوي ، وقد شدّتني محاضرته عن الشخصية في أدب نجيب محفوظ. وهذا المؤتمر أقيم في مقاطعة مانغاليا (نبتون) ، على البحر الأسود ، في حزيران 2010 ، تَحت عنوان (صعود وهبوط الشخصية في الأدب العالمي) ، وهو يواصل انشغاله السنوي المكثف بطرح المواضيع الملحة حول التغيرات التي طرأت على الأدب العالمي ، في هذا العصر ، الذي ما يزال يُنعت بعصر العولمة وعصر ما بعد الحداثة (postmodernism) في الأدب والفنون. يبدو أن الهواجس الإنسانية في مجال الأدب لدى الحضارات الأوروبية والغربية عامة تختلف عّما هي في أدبنا العربي. همومهم يومية عادية متأثرة بأجواء حضارتهم ، والتي تتعدى القلق القومي والإيديولوجي والأخلاقي. ليست لديهم صراعات في هذا المجال. ولم تعد الشخصية تتخبط في معارك هذه الصراعات ، العاطفة لم تعد تحتل مكاناً في هذه الهواجس ولا حتى الصراعات الطبقية والدينية. قبل عاميْن ، في حزيران 2008 ، تَسنى لي أن أقدّم محاضرة في المؤتمر المذكور حول تأثير عَصرً العولمة على مكانة الشعر في المجتمع. وقد فوجئت من ردود الفعل الغريبة تجاه هذا الموضوع ، وخاصةً عندما تحدثْتُ عن هواجس شعرنا العربي الذي يحاول التعبيرعن صراعاتنا الكونية والاجتماعية والنفسية. الإنسان العربي لم يتعد ، بَعْدُ ، أيّاً من الصراعات التقليدية: الرومانسية منها والوجودية. ما زلنا نقيم سجالا مع هَاجس القومية العربية التي فشلت منذ عقود طويلة ، ولا زلنا نعيش هاجس الديمقراطية التي لم تستطع حتى الآن إيجاد مكان لها ولو تجريبيا في أية دولة عربية. وما زلنا نعيش فوضى المزج بين الدين والدولة ، ورفع بعض المنظمات الإسلامية شعار "الإسلام هو الحل" ، الذي يخيف الكثير من العرب والمسلمين والغربيين ، وما زلنا نعيش كابوس الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وهواجس الحروب الأهلية. فأيْن الغرب من كل هذا؟ وأيْن نحن من عصر العولمة وما بعد العصرنة والحداثة؟ سقوط الهيمنة السلطوية إلا أنّ ثمة ما هو مشترك بين الأدب العربي والآداب الغربية تحت تأثير عصر العولمة ، وهو اختلاط الأمور ببعضها وسقوط الهيمنة السلطوية في جميع المجالات الاجتماعية والثقافية. والسلطة المقصودة لا تقتصر على السياسة الحاكمة بل كل سلطة سواء أكانت أكاديمية وأدبية أو إعلامية. ومن جراء ذلك تفككت القوانين الصارمة في جميع المجالات ، وبشكل خاص في مجال الأدب. يمتاز عصر العولمة ، في هذه السياقات ، بالخصخصة ، في ما يشمل النواحي الأدبية ، وإن كانت الناحية الإيجابية في ذلك هي السماح للتعددية اللازمة لبناء مجتمعات منفتحة ، فإن الناحية السلبية لهذه التعددية هي الفوضى التي أخذت تتفشى في جميع المجالات ، وبشكل خاص في مجال الأدب والفنون. أصبحنا نجد ، اليوم ، العديد من المواقع الإلكترونية التي تنشر كل النصوص التي لا حدّ لها من الكم وانعدام الجودة الأدبية ، حدَّ أن (مؤلفيها) لا يجيدون حتى أبسط القواعد اللغوية والأدبية. أقفلت الملحقات الأدبية الجدية للصحف المعروفة ، واختفت معظم المجلات والصحف الأدبية ، ولم نعد نجد في مئات القنوات الفضائية برامج أدبية أوفنية على المستوى الأدبي المرموق. أما الشعراء والأدباء المخضرمون فما زالوا يجدون بعض الأطر الرسمية المرموقة ، إلا أن هذا الجيل ، بعد عقود قليلة من الزمن ، سيفقد حتى ما لديه من أطر رسمية جدّية ، وسيأتي جيل لن يحمل المفاهيم التقليدية المعروفة لماهية الأدب. ما هو مستقبل الأدب الجدي الخالد في هذا العصر من العولمة وانهيار كل الجدران التي كانت تحمي خصوصيات المجالات الثقافية الروحية؟ هذا ما أخذ يدرسه الدارسون في جميع المجالات منذ عقود. وهذا ما سيواصل فيه الباحثون حتى يتمّ التعرف على القوالب التي ستنشأ من جرّاء هذه الفوضى المتدحرجة ، وإلى أين ستصل به من معالم ليتمّ التعرف على قوانينها وعلى مبناها حين يصل بها التدحرج إلى مكان ترسو عليه. وهناك من الأدباء والشعراء المخضرمين الذين أخذوا يتأثرون بأدب العولمة وما بعد الحداثة. والأديب المصري المعروف محمد سلماوي في كتابه "الخرز الملون" نموذج لهذا التأثر. هدم الأطر إن فكر ما بعد العصرنة ـ الحداثة يرفض فكرة المحدثين في ما يتعلق بالتسلسل العقلاني الشامل للتاريخ والحياة. لا يوجد نهج واحد للأحداث التاريخية ، التي كانت تعتبر بمثابة السبب والمسبب. الأمور أصبحت مختلطة ومتشعبة بشكل لا يسمح بوجود حقيقة واحدة. جاك ديريدا نعت هذا النهج بعملية الهدم. من هذا المنطلق نعتبر أن ما يحدث للأدب (النصوص الأدبية بكل أشكالها المعروفة والتقليدية) هو عملية هدم للمألوف بكل أبعادها. وأكثر نموذج يمكن اعتباره يمثل هذا الاتجاه في هذا الإطار هو الرواية التي نحن بصددها ، ألا وهي رواية "الخرز الملون". نقرأ على الغلاف الأخير للرواية ما كتبه الناشر ، تعريفاً بها: "لا تعود جرأة الخرز الملون ، فقط ، إلى مضمونها السياسي والعاطفي المتفجر ، وإنما ، أيضاً ، إلى أسلوبها الفني الجديد ، الذي مزج فيه محمد سلماوي ، ببراعة ، بين رواية السيرة والرواية التسجيلية... ونحن نذهب "إلى" أبعد من ذلك ، فنضيف الأسلوب الصحافي ، في عملية الخلط والمزج. الكاتب يمزج بين عدة من ألوان أدبية في أسلوبه: الفن الروائي ، أسلوب السيرة ، الأسلوب التسجيلي وأسلوب الصحافة." نبدأ بعنوان النص: "الخرز الملون" ، الذي ليست لوجوده علاقة مباشرة ، أو حتى غير مباشرة ، بهذه الرواية: "وربما كانت نسرين تفكر في ذلك أكثر مما كانت تفكر في أفريقيا وقضية التحرر الوطني حين كتبت ذات يوم مقالا قالت ضمن صفحاته: وفي غابر الأزمان كان التجار البيض طلائع الاستعمار يعطون السود من سكان الدول الإفريقية قلائد وأساور من الخرز الملون يقايضون بها على نفائس الموارد الطبيعية لهذه الدول ، ويحملونها إلى أسواق العالم فيبيعونها بأغلى الأثمان... وفي زمننا المعاصر ، ومن هناك ، من أقصى جنوب إفريقيا اندلعت الشرارة ، وقال الإنسان الأفريقي الثائر "لا" للأقلية البيضاء المستعمرة المستبدة و"لا" لمقايضة الخرز الملون." يأتي هذا النص ، والذي يفسّر عنوان الكتاب ، بسياق يثير الدهشة: فمن ناحية معينة تقودنا دلالته إلى اتجاه إيجابي من الفخر والاعتزاز بأن الشعوب المستعبدة ، من قبل دول الغرب ، لم تعد مقهورة كما كانت عليه في الحقبة السابقة من التاريخ الحديث. وهذا ما يمكن استدلاله عن رغبة المؤلف في إبراز هذا النهج الجديد للشعوب المقهورة. إلا أن النص ، من الناحية الأخرى ، يأتي على خلفية اتجاه نفسي سلبي لدى بطلة الرواية نسرين: "بدأت تلح على نسرين فكرة ثابتة ، مؤداها أن الحياة كلها غش وخداع وزيف. كل ما هو براق في الدنيا ما هو إلا شراك. أو هو كالحلي المزيفة ، لا يساوي شيئاً". إذن يستطيع الكاتب ، في هذه السياقات المتناقضة ، أن يشبك الأمور ليشكك في الحقيقة الواحدة ، حيث يفكك بعض الحقائق المفروضة السائرة بنهج عقلاني ، فيجعلها مجموعة من الحقائق المتفككة. الخرز الملون في أبعاد هذه السياقات عبارة عن رمز للسطحية وغياب العمق. هذا هو نهج ما بعد الحداثة ، وبطريقة أكثر حنكة من الأولى ، ليستطيع المؤلف أن يضع بعض الأحداث بدائل لهذه الحقائق. لم تعد ، في الواقع ، حقيقة واحدة ثابتة ، فالخرز الملون ، الذي يرمز إلى زيف الباطن الذي يمثله الظاهر ، يصبح في سياق معين رمزاً لثورة الشعوب المستعبدة ، ثم يتحول ، أيضاً ، إلى عنوان لهذه الرواية التي تعّبر عن عبثية التغيرات السريعة في الحياة العربية ، عامة ، والواقع المصري ، خاصة ، على خلفية ارتباطات أكثر عبثية مما يتخيله المتأمل في هذه الأحداث. إن جمهورية مصر العربية هي تواصل لتاريخ عريق ، وهي مرحلة مصيرية في الخلافة الإسلامية العربية: هي مركز للثقافة والحضارات الشرق الأوسطية: هي جغرافيا أفريقية في سياقاتها الحضارية والاجتماعية ، وهي قيادة ، في القضية الفلسطينية ، أخذت على عاتقها ريادة العالم العربي بجميع إخفاقاتها ونجاحاتها. أين المصري الإنسان (الفرد): الذات ، في هذا التشابك والتزاحم من الحقائق؟ محمد سلماوي ، في هذا النص المثير ، يستغل قصة فتاة فلسطينية في جميع تقلبات حياتها ليصل إلى أكثر من هدف. ومن خلال هذه الأهداف يخفي الهدف الأساسي ، ألا وهو إثارة التساؤلات الملحة على تاريخ مصر ، ودور مصر في هذه الأحداث ، وأكثر من كل ذلك ، يسال أين هو المصري الفرد (الذات) الإنسان؟ نهاية الذات أول ما برز في هذه الحقبة التاريخية مما بعد العصرنة ـ الحداثة هو انهيار الإيديولوجيات ونهايتها. بدأ ذلك في أوروبا ، في انهيار الاتحاد السوفيتي ، ما أدى إلى تسليط الأضواء على سلبيات الأنظمة الرأسمالية والديمقراطية الغربية. وقد نتج عن هذا الانهيار والهدم الشعور السائد لدى الإنسان بالوحدة والعزلة والإحباط.. انفقدت الآليات الأخلاقية التي من شأنها مساعدة الإنسان في إيجاد وسائل وموازين ليستطيع ، بواسطتها ، صوغ التغيرات الهائلة التي هبطت إلى عالمه. سقوط الإيديولوجيات هو ، في الأساس ، الفصل بين الحياة الشخصية الذاتية وبين الحياة العامة ، وقد أصبح يتحكم في عالم الإنسان جهاز مخيف لا يمكن التأثير فيه ، ولا يمكن الإشارة إليه في موقع محدد. الشيوعية والاشتراكية أبادت الملايين لإرساء ثباتها ونجاح أنظمتها بلا جدوى ، وبلا أمل يعود عليه في إطار نهج "الغاية تبرر الواسطة". الرأسمالية ، من ناحية أخرى ، استعبدت شعوباً متعددة بغية السيطرة على كنوزها. أضف إلى ذلك وحشية الإيديولوجيا النازية والفاشية ، وما جلبتاه من ويلات الحرب العالمية الثانية. وجمهورية مصر العربية ، التي عايشت هذه الحقب المتناقضة من هذه الأحداث ، تخبطت بين الإيديولوجيات وبين الرأسمالية ، ثم بين الأنظمة الشمولية وشبه الديمقراطيات الغربية ، وقد تخبطت ، من جراء ذلك ، في زحمة من البدائل التي سرعان ما اختفت كالسراب في الصحراء. تبدأ أحداث "الخرز الملون" في فترة الملك فاروق الأخيرة ، ويسجل الكاتب بعض الأحداث والوضعيات التي ميزت هذه الحقبة من الزمن: "لكن نسرين كانت تعلم أن قصر الطوبجي هو ملتقى جميع الأصدقاء في المساء بدون سابق موعد ولا إعداد.كانت نسرين تعلم أنها ستجد عند زيزت جميع الوجوه المعتادة من نجوم المجتمع الذين يحترف بعضهم الفن أو الكتابة ، ويعتنق بعضهم الوجودية أو الماركسية ، وبعضهم الأخر مهنته الوحيدة هي الاستمتاع بالحياة." انتهى عصر الملك فاروق بحرب فلسطين ، وكانت إيديولوجية القومية العربية ، التي قادها بعض المفكرين ، في مصر ، أمثال: ساطع الحصري ، وسلامة موسى وغيرهما ، ما تزال نظرية فكرية غير قابلة للتحقيق ، ويرجع ذلك لأسباب عديدة ، أهمها: تشتت الأنظمة العربية ، وغياب الاتصال بين الشعوب ، ولم يكن الانتماء العربي موحداً إلا لدى بعض الكتاب والمفكرين العرب ، فاستقطبته مصر ، وجمعت في أطرها الحضارية العديد من رموز الفكر والأدب والصحافة والفن من جميع أنحاء الدول العربية. ونسرين تشكل ، في هذا السياق ، النموذج الحي لهذه الظاهرة. وذلك على خلفية القضية الفلسطينية التي كانت وما زالت تشكل ذريعة قوية لصمود هش لفكرة القومية العربية ، التي سقطت كلياً بموت قائدها الرئيس جمال عبد الناصر. وهكذا تواكبت الأحداث بارتفاع الآمال وسقوطها السريع ، فجاء تأميم قناة السويس ، الذي كان بمثابة حجر الأساس المعنوي لدعم فكر عبد الناصر ، والذي قاده إلى إقامة الوحدة مع سوريا ، لكنها سرعان ما انهارت ، وأدت إلى دفن فكرة القومية العربية ، السياسية على الأقل. وجاءت حرب حزيران وهزيمة العالم العربي في غضون ستة أيام ، ونهوض عصر العولمة في فترة الرئيس السادات ، ما أدى إلى مصرعه لاحقاً. ثم جاءت حرب تشرين الأول ، التي اعتبرها بعض العرب إمكانية لإعادة المعنوية العربية وإعادة الأمل لحاملي لواء الوحدة العربية على أساس قومي. وسرعان ما جاءت الحرب الأهلية في لبنان ، والأحداث الدموية في جنوب مصر ، بين الأقباط والمسلمين. وهكذا توالت هذه الأحداث المتناقضة لتصل قمتها في حرب الخليج بتوافق وتأييد عربي ، فانهارت ، نهائياً ، فكرة إيديولوجية القومية العربية. ومع ذلك ، فهنالك من يرى الأحداث بشكل أخر ، هكذا على سبيل المثال: "وواصل أحمد حديثه ، وتطورت المناقشة إلى قول رئيس تحرير "المصور" وزوجته إن قانون الإصلاح الزراعي فتت الملكية ، وتأميم القناة لم يكن له ضرورة ، وحرب 1956 كانت خاسرة حتى وصلوا ، في النهاية ، إلى هزيمة يونيو 67 ، التي كانت تمثل الفشل النهائي لكل تلك السياسات القديمة ، والتحول إلى سياسات جديدة نتج عنها الانفتاح والتقرب إلى الغرب ، وصاحبَها التشكيك في الانتماء العربي لمصر ، والهجوم على الفلسطينيين ، باعتبارهم أساس البلاء." بعد انهيار الإيدولوجيات في العالم الغربي والشرقي ، ارتبكت المواقف والآراء في العالم العربي. نسرين الفلسطينية المصرية العربية أخذت تدخل في دوامة اليأس وفقدان الذات ، وهي بذلك تمثل الإنسان العربي بشكل عام. نسرين المتمردة على أهلها ، في صباها ، ولحاقها بحبيب الصبا ، إبراهيم ، تترك هذا الحبيب بعد فترة قصيرة ، حاملة فكر المقاومة الفلسطينية بسياقات القومية العربية ، التي تأثرت في بدايتها بالقائد المصري البكباشي أحمد عبد العزيز ، ورحلت إلى مصر. وتشتبك الأحداث الشخصية الذاتية بالأحداث السياسية والقومية ، فتقودها من أمل إلى يأس ومن يأس إلى أمل جديد حتى يأتي الانهيار. وهكذا تبدأ نظرتها إلى الأمور: "أخذ مني زوجي الأول ، وأخذ مني وطني ، وأخًذ مني إبني الوحيد وفلذة كبدي. أخًذ مني الزعيم الذي تعلقت بهً كل الآمال. والآن جاء الدور ليؤخذ مني آخر ما تبقى." نسرين ، التي يصورها الكاتب ، منذ البداية ، طاقة لعنفوان مميز ، شخصية قوية ، طموحة مناضلة تفقد ذاتها بأشكال متناقضة. إنها ، منذ بداية الطريق ، تتمرد على أهلها لتلحق بحبيبها ، ثم تترك حبيبها الأول لتلحق بالقضية الفلسطينية. تأتي إلى مصر وَتنخرط بالقضايا المصرية فتتلاشى القضية الفلسطينية ، تستبدلها بالقضية العربية العامة فتنهار الأخيرة. وهكذا تفقد ذاتها بذوات أكثر شمولية ، إلا أنها لا تعي فقدان الذات الكامل إلا وقد فات الأوان. ونهايتها في مستشفى الأعصاب والأمراض النفسية ، أو خارجه ، حيث هربت إلى الموت ، هو وضعية رمزية لها دلالات أبعد مما ترمي إليه الأحداث في هذا النص: "كانت ممرات المستشفى تبدو في الليل كسراديب طويلة تتقاطع في النهاية مع سراديب أخرى طويلة ظلت نسرين تروح وتجيء فيها لتجد نفسها ، في النهاية ، في نفس المكان الذي بدأت منه خارج غرفتها حيث شخير الممرضة." وجدير بالذكر أنه ، بعد تصريح ميشيل فوكو موت الإنسان ، أعلن رولان بارت موت المؤلف ، حتى جاء دور مؤيدي ما بعد العصرنة ـ الحداثة فيعلنون موت الذات والذاتية. فلم يعد هنالك مجال للتمييز بين الموضوعي والذاتي: لأن المؤلف انتهى تحت عبودية اللغة والنص. لم يعد المؤلف هو الذي يكتب النص ، بل العكس هو الصحيح :النص هو الذي يكتب الإنسان ، الإنسان أصبح قصة يكتبها النص بواسطة اللغة. اللغة هي التي تعمل على صوغها: فكل ما يخصّ الإنسان ، من عواطف ومخاوف وآمال وتجارب ، ما هي إلا نصّ من نتاج اللغة التي يحياها. الشعر: هل هو المنقذ، لم نذكر في عملية التشابك بين الأشياء وجود عاملين إضافيين إلى ما ذكرناه في البداية ، هما: عامل المسرح ، وعامل الشعر ، فالرواية تحتوي ، أيضاً ، على جانب مسرحي ، وإن كان يدخل بشكل عابر لم يعره الكاتب أهمية كبيرة ، وإن كان فيه بُعدّ لا بأس به من الدلالة: فإنسان هذا العصر عصر ما بعد العصرنة ـ الحداثة أصبح ممثلاً ، بعد أن كان يعتبر في فترة العصرنة رجل المعرفة والعلم. وإن كنا ، في هذا السياق ، نذكر قول شكسبير ، منذ أربعة قرون ، بأن الحياة مسرح ولكل إنسان فيه دور ، إلا أن إنسان هذا العصر هو ممثل بكل ما للكلمة من معنى ، ليس على المستوى الفلسفي الشكسبيري ، بل على المستوى الحياتي اليومي العادي. أما العامل الآخر فهو عامل الشعر ، وإن كانت الرواية في كثير من الأحيان تحتوي على بعض الاقتباسات الشعرية ، إلا أنها ، في هذا النص ، أبعد من وجودها المألوف سابقاً في بعض الروايات. لوجود الشعر في هذا النص أهمية كبيرة ، وهي تشكل ، في المفهوم النفسي نوعاً ، من التحرر ، حيث تصبح ملاذاً ينقذ صاحبه من الذعر والمخاوف في زحمة التعقيدات الحديثة. نسرين هي شاعرة منذ بداية طريقها في الحياة. وكتابة الشعر هي مهربها وملاذها حتى ساعة احتياجها للتعبير عن مشاعرها. لا يدري القارئ إن كانت النصوص الشعرية من تأليف الكاتب أم لا. لم يرمز الكاتب ، في هذا النص ، إلى جواب محدد ، فقد تكون هذه النصوص من تأليف بطلة القصة وقد تركتها في مذكراتها ، أو قد تكون حنكة روائية من تأليف الكاتب. ولكن ، مهما يكن الأمر ، فإن وجودها مرتبط بالنص والأحداث الروائية ارتباطاً عضوياً له دلالاته ، وله كيانه في بنية النص وسياقاته: "كثيراً ما هربت نسرين من كل ذلك إلى الشعر الذي كانت تكتبه منذ صباها في فلسطين. ولكن ، حتى تلك الأبيات لم تكن تأتي بالضبط كما كانت تريدها. كانت تلاقي عناءً كبيراً في الوصول إلى ما كانت تريد تصويره في شعرها ، وفي النهاية كانت ترضى بأقرب شيء لما كان يختلج به وجدانها من معان ، كانت تنشر تلك الأشعار ، بين آن وآخر ، باسم مستعار. لم تكن تشعر أن كاتبتها هي نسرين حورى." إذن ، حتى بالنسبة للكاتب ، فالشعر بالنسبة لبطلة هذه الرواية هو هروب: هروب من الواقع ، الواقع الشخصي ، العائلي ، وهروب من الأحداث في تسلسلها المزدحم. ولكن هذا الهروب ليس هروباً نفسياً ، كما أنه ليس هروباً جسدياً ، كما يفعل الإنسان عادة عندما يريد أن يبتعد عن أحداث معينة. إنه أكثر من مجرد ملاذ: إنه عملية الإنقاذ والتحرر. الشعر والأدب ، بشكل عام ، هو نص ، والنص هو اللغة بقمتها ، وهذه اللغة أصبحت بمثابة السيادة في حياة الإنسان ، ولذا لديها من القدرات على إنقاذ الإنسان من تعقيدات الحياة ، خاصة هذه الحياة المسجلة في هذا النص. حاولت نسرين أن تتمرد على أهلها ولم يمض على ذلك زمن طويل حتى اصطدمت بواقع لم تكن تتوقعه. عادت إلى أمها بعملية هروب جغرافية ، مقنعة نفسها بأنها حملت بذلك لواء ثورة أكبر من تمردها الأول ، وهو فكرة الثورة الفلسطينية ، وهي تنقلها معها إلى ملاذها في جمهورية مصر العربية. حاولت أن تعوض عن ذلك بمشاركة فاعلة في تأميم قناة السويس ، وترحيل المستعمرين ، وحاولت أن تعوض عن ذلك بالكتابة الصحفية ، ثم حاولت في الحبّ ففقدت زوجها الأول ، وزوجها الثاني ، ثم فقدت الصحافة وفقدت كل شيء. حاولت اللجوء ، بين الفينة والأخرى ، إلى الشعر ، لكنها لم تكن ، حقاً ، شاعرة ، والشعر لم يستطع أن ينقذها ، كما يفعل ، عادةً. استطاعت شهرزاد أن تنقذ نفسها وما تبقى من حوريات بلادها عن طريق القصة. أما نسرين ففشلت. ولا نستطيع ، من خلال الرواية ، أن ندخل في أعماق النص لنعرف كيف استطاع كل من صلاح جاهين وكامل الشناوي البقاء في بحور الأمان الشعرية ، برغم كل ما حدث. وعودة أخيرة إلى "الخرز الملون" ، فإننا نؤكد ، في نهاية المطاف ، أن الخرز الملون هو سيف ذو حدين ، فالحدّ الآخر له هو : "فتحت عينيها فوجدت أنوار المدينة المتلألئة في الظلام تشاغلها من جديد كالخرز الملون ، في الوقت الذي ازدادت شدة الرياح: رياح عنيفة عالية تريد اقتلاعها من فوق الجبل". التاريخ : 17-09-2010 الاسم: * عنوان التعليق : * التعليق : * الصفحات الكاملة البحث والارشيف أوقات الصلاة حركة الطائرات حالة الطقس اسعار العملات مؤشرات اقتصادية ملحق الثقافي ملحق الشباب ملحق أزهار الاشتراكات الاعلانات معلومات عن الشركة الاردنية اتصل بنا RSS هواتف ضرورية الصفحة الرئيسية | - | محليات ومحافظات | - | دولي وعربي | - | اقتصاد | - | قضايا وآراء | - | فن وثقافة | - | رياضة | - | دروب | - | الوفيات | - | رسائل الى المحرر | - | عن الدستور | - | نتائج التوجيهي 2010 © Ad-Dustour Newspaper 2007 | e-mail: dustour@addustour.com.jo | Developed by Ad-Dustour Newspaper Internet team يمنع النقل أو الاقتباس من أخبار الدستور الخاصة الابموافقة مسبقة من الصحيفة اما فيما يتعلق بالمقالات فلا مانع من اعادة النشر شريطة الإشارة الى المصدر ( جريدة الدستور )

محاضرة في جامعة بارإيلان

  

جامعة بار إيلان كلية الآداب قسم الدراسات العربية המחלקה לערבית מתכבדת להזמין את הציבור למפגש חגיגי בנושא המוזה שמנגנת את המילים יחסי יוצר-יצירה בחברה רב-תרבותית الموسيقى التي تلهم الكلمات علاقة ال