2 – حوار الموت.
الموت ، ادراك الموت هو نقطة الضعف البشرية . إن الإنسان يرى في الموت تناقضاً لقوانين الإدراك والوعي . إن هذا التناقض المدرك وضع الإنسان منذ بداية الحضارة البشرية في ثنائية مزدوجة بين رغبة المعرفه المعاكسة وهي التنازل عن هذه المعرفة التي تقود الإنسان إلى ادراك الموت .
المأساه البشرية تتضح عندما يدرك الإنسان بعقله الواعي أن هنالك هوّة بين قوانين الوعي وبين قوانين الطبيعة . هنا أوجد الإنسان القديم مصطلح " الجبرية"
بمعنى أن الطبيعة عمياء ولا تعمل حسب قوانين الوعي والإدراك .
الديانه اليهوديه في العهد القديم تبدأ بمرحلة الوعي ، بينما الحضاره اليونانيه القديمة تختلف عنها ، فقد بدأت من المرحله الأسطورية التي رأت بالإنسان جزءاً من الطبيعة وكان الإنسان يسجد لقوى الطبيعة . فلهذا عندما لا يشعر الإنسان باغتراب عن الطبيعه فهو لا يرى تناقضاً بين قوانينه الواعيه وبين قوانين الطبيعه الجبرية .
فلهذا لم ينظر اليوناني الاسطوري إلى الموت بشكل مأساوي . فالإنسان الميت ، حسب هذه النظرة ، يستمر كمادة ، كجزء من الطبيعه ، وبموته يفقد قدرة الادراك والوعي حيث يفقد قدرة تمييز نفسه عن الطبيعه . وعندما انتقل اليونانيون القدماء إلى مرحلة الوعي والادراك ازداد اغترابهم . إن ديونزوس ، إله الطبيعه الذي كان رمزاً لتجديد الطبيعه حيث يموت ويعود إلى الحياة ، مثل ألهة اخرى في الحضارات الشرقيه القديمة : تموز وأزيريس ، أصبح رمزاً للإنسان المأساوي ، وهكذا تحولت طقوس الطبيعة ألى تراجيديات . فإن مصطلح " الجبرية " هو تعبير لاغتراب الإنسان عن الطبيعه . فإن قوانين الطبيعه العمياء لا تأبه بقوانين الوعي والادراك البشري . هذه هي الثنائيه المأساويه التي وضعت أسساً لمعاناة الإنسان بإدراكه ووعيه لها .
السيد المسيح والمسيحية التي وضع أسسها التاليه ، الرسول بولس نبتت على خلفية رفض الديانه اليهوديه لانتظار الخلاص من المسيح المنتظر . وذلك لأنها شعرت بأن المسيحيه ( التصوف ) والتنازل عن الادراك والوعي هي ما يناقض أسس الديانه اليهوديه .
المسيحيه الجديده لا تنكر الفرائض اليهوديه الاساسيه ، وبالرغم من ذلك فإن يسوع الناصري يمتلك قوى خارقه للطبيعه . وحتى في صلبه يصبح رمزاً للشخصيه المأساوية التي لم تستطع رغم قواها الخارقه أن تمنع الموت والصلب .
إلا إن الرسول بولس الذي استعمل المصطلحات اليهوديه ، قام بإعطائها مفاهيم جديده تتناقض مع اليهوديه . إن تضحية الانسان لأجل الله أبطلت في الديانه اليهوديه منذ تجربة سيدنا ابراهيم ، ولهذا فقد حول بولس هذه المفاهيم إلى تضحيه لتطهير العالم من الشرّ ، هذه التضحيه الإلهيه نفسها وليست التضحيه البشريه .
الإنسان المأساوي الحديث هو وليد الحضاره الغربية والتي تعتبر مزيجا من الحضارتين : اليهوديه واليونانيه . ومع حركة الإصلاح الديني في اوروبا انهارت اسطورة التضحيه الإلهيه ، وهكذا عادت التراجيديا إلى الحضارة الغربيه مباشرة بعد حركة الاصلاح ، في مسرحيات شكسبير راسين وكورني .
إن الخلفية الثقافيه التي تجابه فيها " جدارية " محمود درويش واعية لهذا الحوار التاريخي والفلسفي بين الإنسان والطبيعه – بين الوعي البشري وقوانينه بصراعها مع قوانين الطبيعة التي تحتمّ الموت . لكن حوار درويش مع الموت لا يشبه أيّا من هذه الحوارات المدونه شعراً ونثراً لدى الفكر الغربي أو اليهودي :
" ... ولدنا
في زمان السيف والمزمار بين
التين والصبار . كان الموت ابطأ .
كان أوضح . كان هدنه عابرين
على مصب النهر . أما الأن ،
فالزرّ الالكتروني يعمل وحده . لا
قاتل يصغي إلى قتلى . ولا يتلو
وصيته شهيد ُ " ص19 .
هذه نظرة عامة على الموت . الشاعر يتكلم بصيغة الجمع ، مما يبعده قليلاً عن موضوع الموت ، وكأنه يُعطي فكرة عامة وموضوعيه تميز بين نظرة الحضاره العربيه وبين نظرة الحضاره الغربية الحديثه عن الموت . السيف والمزمار ، التين والصبار هي رموز توحي بأجواء القريه العربيه ، الحياه والحضارة العربيه . ومن الصعب هنا استيعاب نبرة التعبير ، إن كانت ساخرة أما كانت موضوعيه ، لأن الموت البطيئ هو أصعب أنواع الموت ، بينما الموت السريع ( بالزرّ الالكتروني ) هو محاولة لتخفيف الام الموت النفسيه والجسديه على المحكوم عليه بالموت . ولكن التناقض سرعان ما يتضح بلغة المجاز المستعمله هنا : " كان هدنة عابرين \ على مصب النهر " بينما في الحضارة الحداثه :
" لا قاتل يصغي إلى قتلى . ولا يتلو \ وصيته شهيد " .
إذن قد تكون هنا سخرية مريره هادئه ولاذعة . لكن كما قلنا فإن هذه الأجواء الساكنه لإدراك الموت هي تعبير عام وموضوعي إن صح القول ، للموت . ويسبق هذا التعبير ما يلي :
" ستسقط نجمة بين الكتابة والكلام
وتنشر الذكرى خواطرها : وُلدنا
..." ص18
إن النص هنا يفرض ايحاءات تعتمد من ناحيه على ذاكرة الإنسان الجماعيه ، ومن ناحية أخرى تلفت النظر ألى ذاتها في تناقضها الكبير بين الكلام المحكي والكلام المكتوب .
لقد فضّل " سوسيير " الكلام على اللغة المكتوبه ، لأنها أقرب ألى التعبير الحقيقي لدى الإنسان . وهذا ما عارضه " دريدا " لأنه يرفض فكرة كون النص المكتوب وكأنه شيئ ثانوي وأقل أهمية من اللغة المحكية.
إن هذه التناقضات التي يحاورها درويش في جداريته حول مفهوم اللغه ومدى قدرتها على التعبير عن حقيقة الانسان وحقيقة حياته ومدى مجابهته هذه الحياه في ظل الموت تجعل من هذا التحليل للجدارية نصاً ناقصاً . وبالرغم من ذلك فإننا نحاول في بعض الصور الوصول إلى شيئ ما من الحوارية ومدى تقديمها للإنسان العربي وللحضاره العربيه أساساً حضارياً جديداً في نصّ من الجماليه الادبيه .
إن سقوط النجم في الحضاره العربيه الشعبيه يعني موت إنسان ، والتعبير عنه شعبياً هو تعبير شفوي كلامي . أما التعبير ذاته في الحضارة الغربيه فهو للأمنيه.
فالإنسان يؤمن أنه لو استطاع ان يتمنى شيئاً قبل سقوط النجم ، فإن هذه الأمنيه تتحقق .
هذه التعابير ( النصّيه ) تنتج نصاً يلعب بإمكانياته المتعدده ويصبح تجربة ذاتيه لحوارات بين نصوص متعدده ، مختلفه واحيانا متناقضه . إن هذه الدرجات المختلفه لوجود الحواريات بين النصوص المتعددة هي التي تبني التناص والتضمين لنص جديد يحتوي على رموز تتحرك في فضاء هذا العرض المتناقض للكتابه .
" ورأيت ما يتذكر الموتى وما ينسون ...
هم لا يبكون ويقرأون الوقت في
ساعات ايديهم . وهم لا يشعرون
بموتنا ابداً ولا بحياتهم ... " ص27 .
إن الفعل رأيت لا يعبر عن فعل حقيقي هنا . لا يمكن للإنسان أن يرى الذكرى والذكريات . وكم بالحري عند الحديث عن ذكريات الموتى ( راجع جان بول سارتر ودوستويقكي : ذكريات الموتى ) . فالفعل رأيت هنا يذكرنا برؤيا يوسف في سيرته كما جاءت في القرأن الكريم ، والذي رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين . إذن إنها حلم ، رؤيا ، وربما هذيان ، وهي تفسر بشكل ساذج وبريئ ما يأتي بعدها . فكل طفل يعرف أن الموتى لا يكبرون ولا يشعرون .
ولكن هنا أيضا نتذكر مفاهيم " داريدا" في علم اللغه والذي يقول إنه لا يوجد في اللغه كلمات ساذجه . إنه تلاعب بين العامل الملزم في اللغة ( من حيث قوانينها النحويه والصرفيه ) وبين امكانياتها التعدديه والايحائيه . هنا ايضاً تبدو السخريه الصامته واللاذعه ، ولكن النظره لا زالت عامه وجماعيه تجاه الموت والأموات . إنها تحذير في جزء من النص لما سياتي بعده في نص أكبر وأكثر عنفاً .
من منطلق الرؤيا التي يترجمها الشاعر إلى لغة النص الذي يتخبط بين الكلام والكتابه يأتي الشاعر إلى نقطه التحول من النظرة الجماعيه " الحياديه " إلى الموت
إلى الرؤيا الذاتيه وإلى مواجهة الموت . البدايه هي الصفر :
" الوقت صفر . لم أفكر بالولاده
حين طار الموت بي نحو السديم
فلم أكن حيا ولا ميتا
ولا عدم هناك ولا وجود ... (28 )
إن مسألة الزمان والمكان في هذه المجابهة الانسانيه مع الحياة والموت هي من أهم قضايا الوعي الإنساني ، ولطالما أشغلت المفكرين في مجالات العلوم الانسانيه المختلفه . لقد كان السؤال دائما حول طبيعة المكان كفضاء معلوم ، هل هو كيان قائم بذاته كالماء والتراب والنارأم انه مجرد مصطلح تنظيمي الذي ينجم من العلاقات بين الأشياء في الفراغ . هكذا هو السؤال بالنسبة للزمان ايضاً . هل للزمان تجسيد مستقل أم انه هو الأخر مصطلح وهمي ينجم من جراء المسارات المختلفه للأشياء الفيزيولوجيه .
هنالك من يظن بأن للزمان والمكان كيانين مستقلين وقد تم التمييز بين المكان السفلي ( على الأرض) كفراغ موجود وبين المكان العلوي ( السماوي ) كفراغ يشغل حيزاً أكيداً .
في مقطع درويش أعلاه هنالك إعلان عن نقطة الصفر ، أي ما قبل بداية الفعل وعن نقطه اللاشيئيه في المكان والزمن وعن نقطه ما بين الموت والحياة . وهذه النقاط وهمية للغايه . لكنها تُدرك الدائريه ، أي كنهاية لفعل سابق ، بل على أساس وهمي لمسار مستقيم ، نفسي ، لبداية ما . إن الشعور باللاشيئيه في إطار الكيان العدمي
( العدم كوجود) هو إدراك عاطفي وليس ادراكا معرفيا ، لأن المعرفه لاتقنع بمثل ههذه الحاله من العدم الموجود . وكأن الشاعر يريد أن يوقف الحياة لمحطة لم تكن في الحسبان من التريث ، وعرض ما هو مجبر على عرضهِ ، وليس عن طريق حلم اليقظة بل عن طريق يقظة الهذيان الحلمي . إنه حنين جبريّ إلى أوضاع نفسية تثيره عوامل اللاوعي لتحرره وتتحرر منه :
" رأيتُ طبيبي الفرنسيّ
يفتح زنزانتي
ويضربني بالعصا ...
رأيت أبي عائداً
من الحج مغمى عليه ..
رأيت شباباً مغاربه
يلعبون الكرة
ويرمونني بالحجارة ...
رأيت ريني شار
يجلس مع هيدجر
رأيت المعري يطرد نقاده
من قصيدته
رأيت بلاداً تعانقني
بأيدٍ صباحيه : ...
( ص29 – 30 )
إن هذه الصور المكتوبه شعراً تخرج من اللاوعي ، والشاعر هنا يحرره بشكل سريالي . الأخر في دور الممرضه تقول إنها حلم .
ويبدأ هذا " الحلم " بالطبيب الفرنسي الذي يفتح الزنزانه ويضرب الحالم بالعصا ، يعاونه اثنان من الشرطه . الطبيب يمثل هنا شخصية الأب الذي يحاول الابن التمرد عليه والتحرر منه نحو الاستقلاليه ، الانفراديه والفرديه . الزنزانه هي الشعور بقيود الأب \ المجتمع ، والعصا هي عصا الاب \ السلطه \ القوانين الاجتماعيه .
الصورة التاليه هي صورة الأب الملطفه . الأب ، رغم انه يعود من إداء فرضية الدين \ القانون المجتمع ، والتي يمثلها الاب ، إلا أنه يغمى عليه ، حيث يشعر باستسلامه ، حسب الرغبه المكبوته لدى الابن المتمرد ، ويطلب من الملائكه أن تطفئه – هي استمرار لرغبة الابن المكبوته ، والتي يحررها الحلم \ الهذيان بشكل ملطف .
الشباب المغاربة يتنافسون بالكرة ويرمون بالحجارة الخطيئه . عند اطفاء الأب يشعر الابن بالإثم والخطيئه فيخاف أن يرجم بالحجارة لأنه سرق الأم ( راجع عقدة اوديب) .
رينيه شار أخر الشعراء السرياليين وهيدجر كبير الفلاسفه الوجوديين الذي مهد لما بعد الحداثه يشربان النبيذ ولا يبحثان عن الشعر . إن شرب النبيذ يذكر بيسوع المسيح الذي تمرد على الديانه اليهوديه التي تعتبر في منزلة الاب .
أما الاصدقاء الثلاثه المنتحبون فهم ثلاثه أصدقاء ايوب الشخصيه التراجيديه . والمعري هو شيخ المتمردين الذي يرفض من خلال شعره اتهامه بالزندقه ، هو الأعمى الذي يبصر ما لا يبصر ذوو العيون .
ويقفل الشاعر حلمه بالانتصار وهو العوده إلى الأم : " أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ..." العوده إلى الأرض الأم ; " وتنور الأم هنا هو رمز واضح للأنوثه التي تعانق الابن المتمرد الذي يريد أن يستقل وينفرد ويتفرد .
" الجدارية " هي المؤشر \ الرمز الخالص ، مؤشر المؤشرات ، أو رمز الرموز ; هذا الرمز الذي لا يمكن تجزأته ولكونه رمزاً خالصاًإنه يمثل العدم والانفراديه أو التميز . ولكونه كذلك فإنه لا يوجد في مكان أو في زمان ، ولهذا فهو ثابت بمعنى انه حضور حقيقي ثابت .
أن الشخصيات ، أو الأفكار أو العاطفه التي تحيط بهذا الرمز الخالص لتدرك وجوده ولتحركه ، إنها تتصرف حسب حضوره هو ، وهو الذي يقرر سلوكيات الغير . الانسان المأساوي هو الإنسان المتمرد ، يتمرد ضد شخصية الأب \ الإله الذي يقيده بسلاسل الموت المرعب .
ايوب ، في العهد القديم ، يرمز إلى هذا التمرد . إنه لا يريد أن يتحمل هذا العبء الثقيل الذي يفرضه الوعي والإدراك والذي يفرض على الإنسان الطاعة لقوانين الاب \ المجتمع \ الدين . إن سيدنا ابراهيم وابنه يطيعان الرؤيا والأمر الإلهي ولا يتردد أو يشكك في عدل المطلب الإلهي لكن أيوب يعاني ويتألم ، وفي معاناته وحواره مع أصدقائه الثلاثه تمرد ضد الإرادة الإلهيه أو قل ضد عدالة المطلب الإلهي . إن زوجته تأمره بالموت لتضع حداً لمعاناته . وهي كزوجه وكأم لا تعرف إن شخصية ايوب بالنسبة لأيوب نفسه في غاية الأهميه وهي رمز لكل إنسان يعاني من العقاب الذي يفرض عليه ، ولا يعرف لماذا ! ! إنه عقاب الموت .
" وقعت معلقتي الأخيرة عن تحيلي
وأنا المسافر داخلي
وأنا المحاصر بالثنائيات ،
لكن الحياة جديرةٌ بغموضها
وبطائر الدوري ...
لم أولد لأعرف أنني سأموت ، بل لأحبّ محتويات ظل
الله ... " ص36 .
مع المسار الذي يسير عليه المتمرد في القصيده يتلطف التمرد . هذا ما حدث ايضاً بالنسبة لأيوب . في قصته حلّ وسط ، محاوله للمصالحه بين حرية التمرد من جهه وقبول أخلاقية الأوامر الإلهيه وعدلها من ناحيه اخرى .
إن الشاعر هنا يحاول إزاحة التمرد جانباً بذريعة الدخول ألى النفس المحاصرة بالثنائيات ،وقدسية الحياه كقيمه عليا تعطي الشاعر شرعية لفعلته : " فالحياة جديرة بغموضها . وهنا يستعمل الشاعر الفعل " أعرف " الذي يمثل الادراك للوعي والمعرفه العقلانيه – وبذلك يعود ويخضع إلى أطر الإدراك الواعي ; " لم أولد لأعرف أنني سأموت ، بل لأحب محتويات ظل الله ... "
مقابل المعرفه والادراك يستعمل الشاعر الفعل " أحب " وهو الذي يمثل الإحساس والشعور بالعاطفه التي تنبع من الداخل . وهكذا يبقى الإحساس والشعور بالعاطفه التي تنبع من الداخل . وهكذا يبقى الشاعر في الحقيقه في دوامة الثنائيه ، التي تتمحور في الصراع الأساسي بين العقل والنفس ، بين الايمان والكفر ، بين العلم والدين ، وبين الحريه والجبريه – بين الحياه والموت .
إذن إن العاملين الأساسيين الذين يدوران في نفس الإنسان هما قطبيان : الرغبة في المعرفه لا الادراك ، والرغبة المضادة للتنازل عن هذه المعرفه التي تجعل الانسان يدرك أنه ابن الموت . ومصدرهما في العهد القديم في الحضارة اليهوديه عندما يأكل الإنسان من شجرة المعرفة التي تجعله يدرك أنه مخلوق ضعيف يعرف الموت ولا يحظى بالأبدية . والإنسان عند إدراكه هذا ، بالرغبه للهروب من المعرفه ، معرفة الموت يسمّي هذه العملية بالخطيئه .
- لا تقترب
يا ابن الخطيئة ، يا ابن أدم من
من حدود الله ! لم تولد لتسأل ، " ( ص60 ) .
الجدار هو الحد الفاصل بين العالم الإنساني وعالم الله . والجداريه هي حالة " الما بين بين " . والموت هو الذي يجعل الإنسان يدرك هذه الجداريه ويتساءل فيما بعد الجدار . ومحدوديه هذه المعرفه لدى الإنسان تصدمه بحالة من الجهل الذي يحد من معرفته التي اختارها . ماذا وراء الجدار ؟ الإنسان المعرفي لا يدرك ذلك .
" ... ما البداية ؟
ما النهاية ؟ لم يعد أحد من
الموتى ليخبرنا الحقيقة ... " ( ص48 ) .
يقول هيدجر: إن السفر تجاه ما يجدر أن نتساءل حوله ، ليس مغامرة أو تجربة داخليه ، إنما هو عوده ألى البيت \ الوطن . ولعل المصطلح " العودة إلى البيت " هو بمثابة حنين إلى الماضي ، بمعنى انه عوده أليمه وحزينة إلى الأصل . وإنسان ما بعد الحداثه يعود إلى شيئ أشبه بالموضوع الذي لا إجابة عليه ، وهو يعود إلى حضور معين ، موجود ، كعودة إلى قضيه ، إلى تساؤل، وليس كعودة إلى عنوان ما.
" .... – يغريني
الوجوديون باستنزاف كل هنيهة
حرية ، وعدالة ، ونبيذ ألهة ... "
وهذا المقطع يعيدنا ، ليرتبط بمقطع الحلم \ الهذيان الذي اقتبسناه أنفا :
" رأيت " ريني شار "
يجلس مع " هيدجر "
على بعد مترين مني ،
رأيتهما يشربان النبيذ
ولا يبحثان عن الشعر ..." ص 30 – 31 .
هذه العوده هي عودة إلى الذات عن طريق اللغه وقدرتها الاستعارية والتصويريه التي بمقدورها أن تجعلنا ليس في عالم من الهذيان والحلم . بل في عالم واقعي وإن كان خياليا حسب الادراك الواعي . واللغه هنا تتنازل عن كونها جهازا وبناء كاملاً من القوانين المجرده حسب نظرية سوسيير البنيويه ، بل تصبح تجربة مجسدة في المجال ، كأنها الكلام بكل حضوره . والكلام كما أسلفنا حسب
"لا كان " المتمرد على فرويد ، هو بمثابة الحلم الذي يصبح بادره حضوريه تعوض عن الواقع المتغيّب .
إن ما يجمع هنا بين ريني شار ، هيدجر ، نيتشه والوجوديين بشكل عام هما عاملان أساسيان : اللغه والحريه . ولكلمة الحريه دويّ كبير في أثار السرياليين ، حتى لنستشعر ميلاً إلى منحها المكانه الاولى في العالم الجديد . ثم من ناحية اللغه فهنالك العامل الأساسي المشترك وهو النفور من الأشكال والقوالب اللغويه والبلاغية المألوفه والميل إلى التعابير والصور الجريئة والعفويه .