لو لم يكن الأمر محزناً لَضَحِكْت :
تأملات ذاتيه في المجتمع الإسرائيلي
بدايات
لقد كان والدي رحمه الله فلاحاُ بسيطاَ ومؤمناًَ بالدين والتقاليد العربيه الأصيله ، ومع ذلك كان يملك حسّاً مميزاً يقيس من خلاله مجريات الأحداث ويقلق للمستقبل . وقد أدى قلقه على مستقبلي بحركة ليست دفاعيه أن يدفع بي للدراسة في مدرسة عبريه في مدينة الكرمل حيفا . وكانت هذه الفترة ناقلة شحنتني من سنديان الجليل والزيتون الرومي المتأصل في بلدي منذ ألاف السنين إلى سفينة الحضارة الإسرائيليه الحديثة الراسية في خليج حيفا آنذاك لتبحر بي فيما بعد إلى أقطار الحضاره الواسعه التي لا بحر يأويها ولا محيط ، بحركة فوق زمنية من القديم القديم إلى البعيد . وفي كثير من الأحيان تضرب العواصف الموجية بها فتهتز قصبتها حتى الوريد
، وتخضع احياناً لبرد وسلام دافئين حين تهدأ المياه حول وركيها ، مستجيبة لخفقان قلبي المتوسل ولو ساعة لحساب النفس . وهنا ، في تلك اللحظات من ذات السكينة تطفو الثنائيات المتصارعة في داخلي والتي منذ أن حملني الشوق الأول إلى الخوف الأول من " الغول " في حكايا جدتي ، تلك الثنائيات المتوازيه التي لم تنته حتى الآن إلا لصالح إحباط لا رجعة منه إلى الأبد .
كان همّي الأول توقاً مغرياً لاحتلال اللغة العبريه ، لأن معلمة اللغه السيده شطاينر أشهرت عليّ تحذيرها القاطع بأنني لم ولن أتمكن من مواصلة الدراسة بما لدي من غياب لأدنى قاموس أساسي في لغة التدريس . وقد كان هذا التحذير أصعب بكثير من " غول " جدتي لأنه قد يعيدني إلى والدي بخفي حنين ، وبما أنني لم أكن أجرؤ على المثول أمام والدي كمن أخفق في أول امتحان لطقس النضوج ، فقد أودى بي هذا الشعور لبداية تأسيس شخصيه ستصبح لاحقا حاسبه كل حساب لأجل مراضاة الآخرين .
وهكذا حملت على كتفي صليب السيدة شطاينر تلطيفاً لصليب والدي وسرت على درب الالام بهاجس المتمرد على والدي تلطيفاً لتمردي على السيدة شطاينر أم العكس هو الصحيح .
وكان همّي الآخر أن أنخرط في المجتمع اليهودي الإسرائيلي ، بعاداته ، بمظاهره ، بسلوكياته وبإنجازاته ، وذلك بنهج المراضاة التي ظننتها المفتاح الذي سيدخلني إلى حلبة المباريات العادلة لتحقيق الإنجازات المطلوبه في جميع المجالات .
وكان المجتمع الإسرائيلي في تلك الفتره (السبعينات ) مجتمعاً يسير بنهج أوروبي ، يقوده الإتجاه " الإشكنازي " ( يهود شرق أوروبا ) وينظر نظرة إستعلاء على اليهود الشرقيين والأفارقة والعرب الذين في داخله ، بالإضافة إلى نظرة احتقار خاصه على المواطنين العرب .
إذن كان يجب أن يكون اتخاذ القرار واضحاً صارماً : إمّا الإنخراط حتى الذوبان وإما الانفصال التام والوقوف على الجهة الأخرى من الحلبة وتحمّل النتائج . ولسبب مقياس المراضاة الذي تأسس في داخلي منذ البداتيه ، قررت مواصلة المشوار حتى النهايه . إلا أن ذلك الأمر أدخلني إلى عمق الصراعات بين الثنائيات المتناقضة . وكان علي التخلص من مواقف حرجة لدرجة الإهانه .
تعلمت كيف ألائم ملابسي لكي لا أبدو ( في نظرهم ) عربياً متخلفاً ، وتعلمت كيف أحذو حذوهم ، من تصرفات وسلوكيات وأن ألائم لساني لذوقهم فيعتاد على لكنة عبريه غربيه . فمع أن اللغة العبريه في الأصل هي لغة ساميه تكتب من اليمين إلى اليسار ، إلا أنها تتصرف وتفكر من اليسار إلى اليمين . ومع أن لون بشرتي أسمر عرفت كيف أجعله منسجماً في هارمونيا الألوان والظواهر ، وكان على مسيرتي في عالم الأدب العبري والفقه في الكتاب المقدس ( العهد القديم ) والغور في أعماق الحضارة اليهودية ، كان على كل ذلك أن يغطي على بعض ما تبقى من " عيوب " رضعتها مع لبن الوالدة والذاكرة التاريخية الجماعية لحضارتي العربية وتقاليدها .
وكنت كلما تقدمتُ خطوة ملموسة ، تذكرت السيدة شطاينر معلمتي وقلتُ : أين أنتِ يا معلمتي لتستمعي إلى لغتي العبريه ، التي أصبحت لغتي الأولى شفوياً وكتابة .
لكنني تحققت فيما بعد أن معلمتي كانت ستستاء مني لو علمتْ إلى أين بالغت في مشواري مع اللغة العبريه ، وقد تعتبره تمرداً تخطى مرحلة المراضاة ، مثلما اعتبره والدي في البدايه ، عندما غيرت الطريق الذي رسمه لي ، تماماً كما فعلت ليلى الحمراء مع والدتها تحدّيا للمقولة العربيه الشعبيه : " كل الطرق تؤدي إلى الطاحونه" والتي توازيها في الغرب " كل الطرق تؤدي إلى روما " ، لأن العنوان قد يصبح قاتلا رغم إغراءات الطريق ، حيث لكل طريق شاراته الخاصة به .
الاديب العبري المعروف أ،ب،يهوشواع جعل شخصيته الرئيسة في روايته
" العاشق" مستوحاة من شخصيتي وأسماها " نعيم " بحيث لن يكون هنالك مجال للشك في أمر هذه الشخصية . ونعيم العاشق في الروايه هو صبي عربي من احدى قرى الجليل يعمل في كراج لإسرائيلي في مدينة حيفا . نعيم ينصهر في اللغة العبريه و آدابها ، يدخل إلى بيت صاحب الكراج ، يعشق ابنته ، يرافق العائله وينكر فيما بعد صلته بأخيه الطالب الجامعي " الإرهابي " الذي أراد تفجير الجامعة
الحيفاوية ... ومع ذلك يجد نفسه مطروداً من الكراج في نهاية الرواية . وعندما اختلفت مع قسم الادب العبري الذي عملتُ فيه مدرساً في الجامعة ، وكان أب. يهوشواع أستاذاً كبيراً فيه ، ولمته على موقفه مني ، قال لي : " أشعر وكأن نعيم يخرج من الروايه ويحاكمني "
ولو لم يكن الأمر محزناً لضحكت .
د . نعيم عرايدي
لو لم يكن الأمر محزناً – لضحكت
مكانة الاديب في المجتمع الاسرائيلي
عندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 كرر القائلون ذريعة العداء والعدوانيه المتأصلة فيها . ويفقه المتحدثون إضافة إلى الحديث أو كجزء من الحديث قولهم أن حالات العداء الإسرائيلي متأصلة فيها ولا حاجة لها للذرائع كي تبرر مواقفها .
وأنا أقول أن لا يوجد شعب عدائي بطبيعته ، وإن كان كذلك في ظرف معينة فهو رغم كل شيء يحتاج إلى ذرائع ولا داع لتزويده بها مرة تلو الاخرى .
ولكن ليس هذا هو موضوع الحديث هنا . إن ما يلفت الانتباه في سياق هذا الموضوع هو تأثير الرأي العام في إسرائيل الذي تقوده المواقف الفكريه والعمليه لادباء وشعراء ورجال الفكر في المجتمع الإسرائيلي . وقد عارض أولئك هذه الحرب منذ البداية ، وتجلى ذلك في أكبر مظاهرة قادها هذا التيار ، حيث تجمع مئات الالاف في ميادين تل ابيب . ثم احتدت حركة هذه المعارضة بعد مذابح صبرا وشتيلا مما أدت فعلاً إلى عزل وزير الدفاع في حينه أريئيل شارون من منصبه وإستقالة رئيس الحكومة مناحيم بيجن لاحقاً .
وبعد حرب الايام الستة بفترة وجيزة وصل إلى البلاد مبعوث الأمم المتحده جونار يارينج لبحث انسحاب إسرائيل من الضفه الغربيه وقطاع غزة . وكانت في حينها رئيسة الحكومه الإسرائيلية جولده مئير . وقبيل لقاء مئير يارينج عقدت رابطة الادباء العبريين اجتماعاً خاصاً بهذا الشأن مما اضطر رئيسة الحكومة إرجاء اللقاء مع مبعوث الأمم المتحدة ، ريثما يُنهي الأدباء العبريون اجتماعهم كي تعرف موقفهم وقرارهم بهذا الشأن .
كل ذلك يعلمنا مدى قوة الاديب والشاعر في المجتمع الإسرائيلي وإلى أي حدّ ووزن يستطيع التأثير على الرأي العام ومجريات الأمور .
وتعتبر الثقافة الإسرائيليه من الثقافات البارزه في العالم ، وأكبر دليل على ذلك هو الجوائز القيمة التي ينالها مثقفوا هذا المجتمع واعلاها جائزة نوبل العالمية .
ولكن الأهم من ذلك هو اهتمام هذا المجتمع بالمطالعه وتزويد الكتب القيمه لمستهليكها حتى تكو نت أنماط حضاريه مميزه في هذا المجال . ويعتبر أدب الاطفال العبري في اسرائيل من الدرجة الأولى في العالم وذلك من حيث المضامين وجودة الإصدارات . ومع أن سعر الكتاب للأطفال يصل إلى خمسة عشر دولاراً وهو يباع بعشرات وأحياناً بمئات الالاف فهذا مؤشر إلى مدى اهتمام هذا المجتمع بأطفاله ، ناهيك عن تعدد المؤسسات الحكوميه ، والشعبيه والخاصه في هذا المجال .
لقد قام المجتمع الإسرائيلي اليهودي بمراحل ثوريه في حضارته ، هي التي مكنته من الوصول إلى هذه الصيغة الحالية والتي لا زالت في طور الصقل والتهذيب . الخطوة الأولى كانت بمثابة الفصل بين الدين وحركة التحرر الوطنيه فصلاً تاماً بطريقة جعلت من بعض الأفكار الدينيه ايديولوجية علمانيه استغلتها لتجنيد جميع الفئات لصالحها . هكذا بدأت الحركة الصهيونيه ، بمزيج شبه مستحيل بين قراءة علمانية للنصوص الدينيه .
والخطوة الثانيه كانت إحياء اللغة العبرية وجعلها اللغة الرسمية الدارجة قراءة وكتابة وكلاماً . وكان هذا يعني عزل الأجواء المقدسة من اللغة وأحياناً استئصالها الكامل . وقد لا يعرف الكثيرون أن اللغة العبرية الحديثة المتجددة تنازلت عن بنيتها السامية لصالح بنية غربية في النحو والمبنى والجمل وحتى الدلالات . وقد تكون هذه الظاهرة وهذا النهج ما لم يعرفه مصطفى كمال أتاتورك حين أراد ضم الحضارة التركيه إلى العائله الغربيه الاوروبيه . فكل ما قام به أتاتورك هو تبديل الحروف العربيه باللاتينيه مع إبقاء كل ما هو شرقي ومسلم في شخصية اللغه التركيه ونفسيتها.
بينما قام المفكرون اليهود بصقل قوالب غربية للغه العبريه وتعبئتها بقيم وسلوكيات غربيه خالصة ، وهذا ما عنيناه عندما قلنا إن اللغه العبريه مع كونها لا زالت تكتب من اليمين إلى اليسار ، فهي تتصرف سالكة من اليسار إلى اليمين .
هذا ما أرادت الدوله القيام به عندما أعلنت منذ بداية الستينات عن إقامة بوتقة لصهر الهوية الإسرائيليه . والمجتمع المتكون في إسرائيل هو عبارة عن جاليات يهوديه قدمت إلى البلاد من جميع اقطار العالم : من الغرب وشرق اوروبا ، من شمال إفريقيا ومن أسيا القريبه والبعيده ، من أمريكا واستراليا . وقد كان على جميعهم التأقلم مع الإطار الأشكنازي الرائد الذي رسم لهم جميعاً طريقاً واضحاً وأرغمهم على السير فيه نحو قيام مجتمع غربي أوروبي تحول فيما بعد إلى الاتجاه الأمريكي .
والذي كان يظن أن بوتقة الصهر ستنتج مجتمعاً إسرائيلياً شرق أوسطياً وفقاً للإعلان المصرح ، فقد كان مخطئاً ، وذلك لأن هذه البوتقة هي مرحله أساسيه هي مرحلة
" الغربنة " ( الغرب ) التي ستجهز المجتمع إلى مرحلة أكثر ملاءمة وتجهيزاً
" لأمركنته " ( أمريكا ) . والفترة التي استغرقت أمريكا أكثر من قرنين ، استغرقت الشعب اليهودي في إسرائيل أكثر من عقدين فقط . وهذه الخطوة سنسميها لاحقاً العبور من العصرنه الاوروبيه والتي تسيطر فيها الثقافه والفكر والادب ، إلى ما بعد العصرنه والتي تسيطر فيها وسائل الإعلام الناطقه باسم أصحاب رؤوس الأموال .
وهكذا تعلم الشعب الإسرائيلي لعبة الشطرنج متنازلاً عن لعبة " الضامة "
و " المحبوسة " و " الشيش بش " التي نقلها يهود الشرق وشمال إفريقيا من حضارتهم العربيه الإسلاميه إلى بداية قيام دولة اسرائيل .
وجهت إليّ إحدى المستمعات الفلسطينيات في محاضرة لي في بيت الاديب في مدينة مدريد الإسبانيه قبل ثلاث سنوات ملاحظة لائمه فيها علي : كيف أجيء إلى مدريد وأشارك في ندوة شعر مع شعراء يهود ، بينما تدور في بلادي الانتفاضة . قلت لها : لكوني لا أسكن في مدريد ولا أستطيع أن أجلس هنا واضعاً ساقاً على ساق لائماً الغير على كل خطوة حضارية وأن ما تراه هذه الفتاة من هنا لا أستطيع أن أراه من هناك . فأنا أسمح لنفسي أن أخرج إلى كل منبر في العالم وأسمع العالم تعابيري
الخاصة ، وصيغي الجماليه عما يدور بي من أحزان .
كتب محمود درويش في رسائله المتبادله مع سميح القاسم :
" وبالأغنيه ذاتها التي تخدع ذاتها لتكون ذاتها ، يقف الواقع على رأسه ، ويعتذر عن وعي شقي وعي زائف معاً . ماذا يريد الشعر من المستوطنين أكثر من الإشارة الى طفولتنا التي تنسب جماليتها إلى المكان ذاته ؟ ليكونوا هم المعبرين نيابة عنا . هل يعبر عنك حاييم غوري في وصف العائد إلى أهله الغائبين ؟ وهل نستعيد جمال القدس ، كما استعادوه ، في اغنيتهم التي حطمتنا : يا أورشليم من ذهب ، ومن نحاس وضياء ؟ "
وأنا بدوري أردت أن أضع حجر أساس لبنية جديده تحمل منضة الشاعر الحر ، الشاعر الصادق الذي يريد التعبير بحرية لا متناهيه لحزن كبير وعميق وممزق بصيغة جمالية ، تحمل تداعيات تعيد الذاكرة إلى ذاتها وتستوطن لغة تنقذني من التيه المزيف وتجرني من الحياديه إلى التدخل داخلاً وخارجاً .
وأنا حزين بقدر انفصامي الجماعي وأحسن ، إلى شاعر عربي يكتب بالفرنسيه وأتوق إلى مشاعر شاعر يهودي كتب بالعربي فأتحرر من بوتقة الصهر !
الفنانه اليهوديه ، يمينية الأصل ، عوفرا حازا أوصلت الفولكلور اليمني إلى الغرب ، والحمص والفلافل ( الطعميه ) أصبحت مأكولات شعبيه إسرائيليه . فهل أصبحت أنا شاعراً عربياً يحمل أحزانه إلى الغرب بناقلة عبريه ؟
ولو لم يكن الأمر محزناً لضحكت .
د . نعيم عرايدي
لو لم يكن الأمر محزناً !
( محاضرة في جامعة بار إيلان )
في رواية " العاشق " للكاتب العبري المعروف أ .ب. يهوشواع جاء على لسان شخصيته العربيه نعيم ما يلي :
" أتظنون أن اليهود في إسرائيل يكرهوننا ؟ لا ! إنهم لا يكرهوننا . نحن خارج كراهيتهم . إننا غير موجودين بالنسبة لهم . إننا مجرد خيالات وأشباح ... "
ليست هذه المقوله نغمة متحركة في ظرف مصادف ، وانها ليست شحنة في قالب الأحداث المتسلسلة بدافع السبب والمسبب لتحبك رواية أخرى ، أو حلقة إضافيه لكاتب عبري يعتبر واحداً من أعمدة الفكر والادب العبري في إسرائيل .
إنها انطلاق صرخة من بئر مدوّيه ، بمثابة التعبير الواحد الممكن عن تراكم الشعور بالإثم لدرجة التفجر . ولم تحمل هذه الصرخة أي إيقاع من التلطيف الذي عهدناه في قصص الاديب المعروف س . يزهار والذي كتب في بداية الخمسينات عن شخصية العربي كما تتجلى في أعين اليهودي . كانت هذه في حينها نوعاً من التنفيس لتحرير مبطنات عاطفيه على حدّ التماس بين البحث عن إطار وطني وبين عدالة هذا المطلب التي تقتلع حق الآخرين من المطلب ذاته .
في الفترة الاولى التي يمثلها س. يزهار كان حضور العربي واضحاً ، وكان يحتلّ مكاناً ليتم اقتلاعه منه ، وكأنه تمهيد لمحوه عن الوجود ، عن طريق تجاهله ، أو
قل : إزاحته إلى أعمق تبطين ممكن في حجرات اللاوعي الوهمي . وقد استغرق ثلاثة عقود ليأتي أ.ب.يهوشواع ويؤكد هذا الغياب بثنائية الحاضر الغائب .
لقد أبحرت في هذا الغياب \ الحضور خاضعاً لرغبتي في فهم حوارية الإنسان . لأنني أيقنت لاحقاً أن قدسية الحياة هي مدى تفهمنا لتناقضات الحياه بشكل علماني متيقن ومن ثم البحث عن مسرب من شأنه إيصالنا إلى سبيل من التحرر من مخالب الآخر .
ما أكثر ما تتم دعوتي للمثول أمام جمهور إسر ائيلي . فالشعب الإسرائيلي شعب فضولي محب للاستطلاع لدرجة التنبيش في كل ظاهرة ، ولا يستثنى من ذلك حتى نفسه . هكذا أرى محاضراتي أمامه ، إنها بمثابة المثول أمام لجنة للمحلفين يكون فيها القاضي أنا ، لأنني أنا من يتبعثر بعدها أمام نفسي .
قبل أسبوع دعيت إلى جامعة بار – إيلان قرب مدينة تل أبيب لألقي محاضرة أمام طلاب اللقبين الثاني والثالث في قسم الأدب العبري .
كان علي أن أسافر من مدينة حيفا بعد إنهاء عملي هناك . وبما أن جامعة بار – إيلان تبعد مسافة سفر ساعة ونصف ومع ذلك فقد بدأت سفري قبل ساعتين تحسباً لكل طارئ .
طريق البحر السريع يبعث في داخلي طاقات من السكينة والسلام ، مع أن الرياح الجانبية الباردة في شهر يناير كانت قوية وعاصفه ، وأثارت في داخلي ريحاً من القلق ، لإحساس مشوش مع التفكير المحبط بأنني منذ سنوات تخليت عن نهج المراضاة ، وذلك لأن المجتمع الإسرائلي يسير عكس نفسه بكل ما يتعلق بالآخرين . صرت أنا الآخر وهم الأنا . استسلمت لموجة التفكير بالأسئلة الملائمة لمواصفات الواقع التي سيطرحها الحاضرون ، ولم أفكر بالإجابات قط .
وتطرح هذه الأسئلة علي بنابع من التيه والبلبلة ، مجرد غيرة تائهة كغيرة الزوج على زوجته ، ولا أحد يعرف في التقاطع بين الثنائيات من هو الزوج ومن هي الزوجه .
وفي هذا الموقف المحبط للطرفين تبدو الأسئلة الباحثه عن معرفه جديدة كأنها تساؤولات فلسفيه تثير الشك أكثر من اليقين .
- لماذا تخصصت باللغة العبريه وادابها ؟
- ماذا كانت غايتك منذ البداية ؟
- لماذا اخترت الشاعر العبري القومي أوروي تسفي جرينبرج موضوعك لأطروحة الدكتوراة ؟
- لماذا تكتب الشعر بالعبريه ؟
وفجأة أيقظتني من هذه الدوامة حادثةٌ أوقفت السير على بعد كيلومترات من وقوعها ، وسيتبين لي لاحقاً كمن يعرف سلوكيات هذا المجتمع أن سبب توقيف السير ليس نتيجة مباشرة للحادثة بل لأن السائق الإسرائيلي الذي لا يملك أدنى اداب السلوكيات ، سيتوقف بمحاذات الحادثه ليستطلع الأمر وليشفى غليل فضوله فقط ، ولن يهمه أن هنالك المئات من السائقين على عجلة من أمرهم .
فالإسرائيلي يشعر في هذه الدولة أن الدولة ملك خاص به ، وبأن كل ما فيها هي ملك له ويحق له أن يتصرف فيها وبها كيفما شاء ، فالآخر هو أنا ، وأنا في عجلة من أمري لكي أصل في الوقت الذي تحددت فيه المحاضرة الجامعية ، ومع كل ما مررتُ في السنوات الأخيرة ، فإن مقياس المراضاة لا يزال يعمل في لا وعيي ويحرك سلوكياتي – لأن هذا الآخر الذي هو أنا لست موجوداً بالنسبة للإسرائيلي ... تلقيت خلال انتظاري ضمن طابور لا نهاية له من السيارات التي تتحرك ببطء السلحفاة ، وكانت إحداها المتأخرة ، بعد التأكد من أنني سأصل إلى المحاضرة بتأخير ربع ساعة على الأقل ، سألني زميلي مرة أخرى إن كنت متأكداً من أنني سأصل إلى المحاضرة . وجال في خاطري ذلك التفكير المخيف الذي لا أعرف مدى صحته حتى اليوم ، أن صديقي ربما لا يصدقني إن كنت قادماً فعلاً أم أنني منذ البداية لم أخرج من البيت ، ولم أنوِ القدوم ، وأنني أختلق الأعذار . إن ثقة الإسرائيلي بالآخرين ضعيفة جداً ، وتكاد تكون معدومة . ومع كل محاولاتي لجسر الهوة من غياب الثقة بيننا فلا يزال الشك مسيطراً لدرجة أنني لاءمت لنفسي خاصّة أخرى إلى جانب المراضاة ، هي خاصة تأكيد المراضاة ، الأمر الذي يكلفني مضاعفة جهودي وطاقاتي في أمور ليس لها قيمة فيما لو كانت الظروف طبيعيه ، وكنت لأستغلها في أمور أخرى ، أكثر نفعاً لجميع الأطراف .
عند وصولي الجامعة في مدينة رمات جان ، وبعد أن تبين لي فعلاً ، حسب ما سمعته من مذياع السيارة ، أن حادثة طرق مروعة وقعت على طريق البحر حيفا – تل أبيب قرب مفترق المدينة التاريخيه قيساريا ، وذلك قبل أكثر من ساعة ، وقد تم فتح الطريق ، إلا أن ازدحام الشارع ينبع من وقوف السائقين الفضوليين الذين لا يأبهون بغيرهم . كان المحاضر ينتظرني في القاعة بعد أن أرشدني على الهاتف الخلوي كيف أصل إلى المكان .
لقد كانت الاسئلة كما توقعت ، أكثر من رغبتها على المعرفه كانت تلقي اللوم علي لأني دخلت إلى أعمق نقطة في الحضارة العبريه ، وإلى أين أنوي الوصول بعد ، وما هي غايتي في كل ذلك . كنت أرى " نعيم " في رواية العاشق وهو يترك الكراج قائلاً : إعرف نفسك !
ولو لم تكن هذه الأمور محزنه لضحكت !
د. نعيم عرايدي :
لو لم يكن الأمر محزناً – لضحكت
لقد كان آخر حوار لي عما يسمى موضوع " التطبيع " مع إسرائيل مع الكاتب المصري المعروف علي القمحاوي نائب رئيس تحرير " أخبار الأدب " ، وذلك عندما شاركنا في المؤتمر الدولي التاسع للشعراء في رومانيا ، والذي أقيم في شهر يوليو تموز 2005 .
وعند عودته رفع الزميل القمحاوي موضوع الحوار في مقالين متتاليين لهيئة التحرير في صحيفته ، ولم أتابع ما إذا كان لذلك ردود فعل أم لا .
أقول إن الحوار عن طريق الاحتكاك الثقافي هو سنّة المسار التاريخي ، والذي يتجنبه هو الأضعف ، وأقول ولا تجديد في ذلك انه توجد حضارة قوميه خالصة . وحضارة شعب ما ، أي شعب ، هي احتكاك متواصل مع الحضارات الأخرى ، وأن أي دراسة في لغات الشعوب تثبت أن كل لغة دخل فيها من لغات أخرى مجموعٌ لا بأس به من الألفاظ والمصطلحات والمرادفات ، وأن كل دارس لعلم اللغه يعرف أن هذه الألفاظ تحمل بين طياتها عوامل ثقافيه وحضاريه تبدأ بشكل دخيلة وتصبح فيما بعد جزءاً من الحضارة المضيفة . وقِسْ على ذلك جميع جوانب الحضارة ، وحتى السلوكيات .
وفي بداية الألفية الثالثه لتاريخ الميلادي لا أستطيع أن أتفهم أي انغلاق حضاري لأنه أقرب إلى الوهم والتوهيم منه إلى الحقيقة والواقع . لقد قال لي مرة الأديب والمفكر المصري علي سالم : " إن من يريد أن يغلق أبوابه على الحضارة الإسرائيليه ، أو الأمريكيه أو الغربيه بشكل عام ، فإنها ستدخل إلى بيته من الشباك " .
إن إسرائيل دولة ديمقراطية بالمفهوم الغربي للعلوم السياسية . تجري فيها انتخابات حرة مرة كل أربع سنوات . لها برلمان تشريعي منتخب ، وهو الذي يتم من خلاله تشكيل حكومة هي السلطة التنفيذية التي تقرر سياسات الدولة وتنفذها .
وفي هذا المجتمع المتطور الديمقراطي توجد حرية تعبير ليس لها مثيل حتى في الدول الغربيه ( مع التحفظات بالنسبة للمواطنين العرب التي سنتحدث عنها لاحقاً ).
وهذا المجتمع تزدهر فيه الحضارة والثقافه والأدب . بمعزل عن سياسات الحكومات. ومن المعروف أن الطبقات الثقافيه في إسرائيل هي دائماً في المعارضة لسياسة الحكومات التي تنتهك حقوق المواطنين العرب وتتعدى على الحقوق العربيه في كل مكان .
قلت لزميلي لماذا تُلقون الحصار على المثقفين الإسرائيليين ، الذين يستطيعون الوقوف لصالحنا لو عرفنا السبل الحضارية المعهودة لإقناعهم بعدالة مطالبنا . لماذا تخافون منهم ؟ الأمر الذي يجعل موقفكم هو الأضعف ! لماذا لا تجعلوهم أصدقاء لكم ، وتثبتون للعالم أنكم أنتم من يبحث عن السلام والعدل والعداله !! إننا ، المواطنين العرب في إسرائيل نحاول أن نشركهم في كل نشاط ثقافي ، وحتى سياسي ، ونجد فيهم ، في أغلبيتهم ، الشريك الوفي ، وبذلك نجندهم لمصلحة قضايانا ، فلهم تأثير كبير في الرأي العام الإسرائيلي . والمجتمعات الديمقراطيه تتأثر كثيراً بالرأي العام .
قلت للاديب القمحاوي أن المؤتمرات العالميه الثقافيه تدعو مشاركين من الدول العديده ، وألاحظ أن المشاركين العرب يتجنبون كل مؤتمر يشارك فيه إسرائيليون . وماذا يحدث عندها ؟ أليس الذي يريدون عزل الإسرائيليين وحصارهم ، يجدون أنفسهم معزولين ومحاصرين ، وتبقى الساحه والمنابر العالميه خاليه من الممثيلين العرب ؟ ألهذا يصبو الإنسان العربي !؟
في محاضرة لي في مركز " كندي " في واشنطن قبل أعوام ، وجهت النقد الشديد لسيطرة الحضارة الأمركية المسطحه على العالم الثالث ، وبأنها ستقضي على كل مظهر حضاري عميق وستمحو أخلاقيات الحضارات العريقه لتستبدلها بسلوكيات سطحيه سخيفة . وبعد أن صفق لي الجمهور الغفير الذي يبدب من الإصغاء المؤدب المتسامح ما لا نعهده في اماكن كثيرة ، وجّه لي أحد الحضور ملاحظة مفادها أن الفرق بين الغرب والشرق هو أن الغربي يحبّذ لعبة " الشطرنج " بينما يلازم الشرقي لعبة " الضامه " . والفرق هو أن لاعب الشطرنج يفكر في خمس خطوات قادمة قبل أن ينقل الحجر ، بينما لا يحتاج لاعب " الضامه " إلا للتفكير في الخطوة الحاليه التاليه . وأضاف هذا الشخص تحذيري من انه لكل لعبة قوانينها وانه لا يجوز ، بل يستحيل ، استعمال قوانين " الضامة " في لعبة الشطرنج .
إن من لم يذوّت ( يفهم بعمق ) أن العالم تغير منذ انهيار الاتحاد السوفياتي لأن الولايات المتحده أصبحت القوة الأعظم المنفردة وهي التي تقود العالم الغربي كله ...
وإن من لم يذوّت أن مفاهيم القلرن الحادي والعشرين هي لعبة جديده في ميدان الحياة ، لها قوانينها الخاصه ، تعابيرها الخاصه ، مصطلحاتها الخاصه وحتى سلوكياتها الخاصة . . .
إنّ من لم يذوّت حتى الآن المنظور الجديد للعالم بعد انهيار التوأمين في نيويورك ...
وإن من لم يذوت حتى الآن أن إسرائيل هي دوله ذات سياده وكيان تنافس العالم الغربي في العلوم والطب والثقافه ... إنه في ورطه !!
قال لي زميلي : انهار اليونان الكبير ، انهارت روما العملاقه وغيرها . وسألني مبتسما : كم قرناً استعمر العرب الاندلس ؟ قلت له : ثمانيه !! هزّ برأسه باسماً .
قلت له : اتريد للفلسطينيين أن ينتظروا ثمانية قرون؟!
لو لم يكن الأمر محزنا – لضحكن .
إلى صديقي وأخي موسى الحوامدة .
رساله من الجليل
بقلم : د. نعيم عرايدي
تحيّرني إزدواجية المشي على الحبل بين العفوية والتخنولوجيا المتطورة . فلم أقرأ رسالتك إلاّ اليوم فنقلتني حروفها السوداء إلى جبال رومانيا / الذاكرة . هناك حيث تحدثت مع إيلينا الشاعرة الروسية بالعربية فحدثتني هي باللغة الروسية التي لا تعرف غيرها ، وكانت أكذوبة الشعر أصدق ما لمسته في لغات البشر .
وفي إحدى الأمسيات قرأت في عينيك ما يمكن أن يكون ازدواجيه الأسماء بين لانا الرومانيه ولانا"ك" المنتظرة في عمان – كنت انت تبحث عن هوية ليست للذاكرة المنسية بل للحاضر الهائج الذي يجهل عنوان الآتي الذي لم يكن يعني في تلك اللحظة إلاّ للذي يبحث عنه في لغة السياسة القذرة .
منذ سنين وأنا أحاول أن أدرّس في المعاهد العليا الفروق الدقيقه بين ألوان الشعر من نشيد وغناء وقصائد وموشحات ، وحتى الأن لا زلت أعاني من هذا الحفر فيما يمكن أن يعبّر عن ذاكرة الروح وهيمنتها على الجسد / المادة بأساليب ، لم يبرمجها العقل . بل كلها من نسيج هندسة الخيال العاطفي .
وتسألني عن هويه ؟! قلت لك : لا أريد أن أقع في الجبّ لكي لا يضطر أخوتي أن يكذبوا على والدي الذي كل ما عناه هو مراضات أمي \ زوجته الثانيه . وإلا كيف كنت أستطيع الوصول إلى درجة الوزارة في قصر فرعون ، وأعود بعد عقود إلى والدي فأجده ضريراً . قد يكذب المؤرخون في قولهم أنه من شدة البكاء على ابنه الحادي عشر . ومع ذلك فقد أوجد الشعراء لهذه الكذبه إطاراً صادقاً أحبه الجميع .
أخي موسى .
أجهدتني حين طلبت مني النشيد لأنك لم تعرف أن بكاءك على خلفية نشيدي كان لحناً لن يستطيع حتى ثيؤدوراكيس أن يضع مثله مهما أبدع في رقصة زوربا اليوناني . إنّ أعذب الشعر " أحزنه " أما البحث عن ذاكرة الهوية في جواز سفرٍ مؤقت وإقامة أبديه في كورتا دارجش أسهل بكثير من حفظ رقم الحافلة التي نقلتك من الخليل إلى عمان إلى الشام . الأرقام الأكثر حزناً هي التي لا تحملها جوازات السفر المثقلة في عصر من العولمه الهاذية . توقفت عن تمثيل الأدوار عندما صار خشب الزيتون إكسسواراً في مسرحية البحث عن هوية ، وصار سنديان الجليل محمية تُرصد فيه أعداد الزائرين على مرّ نهايات الأسبوع ، وصار الكرمل محمية تحرق أشجارها بقايا فحم الشواء انتقاماً لذبح الخرفان على ذمة الجليل .
أخي موسى
لا أعرف إنسانا معصوما عن العنصريه ولا فئة ولا شعباً . أعرف من يجيد تبديل الأسماء بالأرقام والأرقام بالحروف ويدعي بمعرفة الغيب ، وكذب المنجمون ولو صدقوا . وإذا عدتُ لدور الباحث المحاضر أقول إني أعرف حقيقة الأشياء من خلال النشيد والغناء والشعر .
أنا هنا ، في المغارة التي يعلوها منزلي في جسد الجليل وروح ذاكرته ، لا زلت أحلم أنني لم أكبر ، طفولتي هي التي كبرت وراهقت وعبثت ونضجت . أما أنا فلست كما أبدو ، وإنما كما في الداخل ، وقعت في الجبّ / المغارة ولم تمر القافله ، وما زوجة بوتيفار إلا قصيدة يردّدها غيري .
أنا هنا طفل يراقب فكرة تراسيما خوس الأثيني ويُدهش من حواريات سقراط الغريبة وأمثولة أفلاطون . مغارتي حقيقيه ولا تعرف الخيال والوهم لأنهما لا يستطيعان الدخول إليها ، وإن فَعَلا فهما أسيرا يقظتي المتنبهة إلى ذاتها .
ولي ولك يا صديقي فناء من اللحن والكلمات والاداء .
نعيم .